
منذ سنوات سألتُ تلاميذَ السنة النهائية عن آمالهم و طموحاتهم، فجاءني ردُّ أحدهم هكذا:
“ماذا تتوقعين، أستاذة؟ هل تظنين أنني عند نجاحي في البكالوريا، إن شاء الله، سأختار بين معاهد أو جامعات للامتياز، و أن مخابر البحث ستكون متاحة لأمثالي، و بإمكاني حينها رسم معالم مستقبل واعد مهنيًا ؟ نحن في الجزائر، حيث تُقبر الطاقات، و صاحب الشهادة العليا يُنظر إليه بازدراء من أقرانه الذين اختاروا طريق البزنسة و النصب و الاحتيال لتحقيق حياة مادية مريحة.”
لم أشأ أن أترك إجابته تؤثر سلبًا في معنويات زملائه، فقلت له:
“جزئيًا، ما قلته صحيح. فدولة الجزائر، منذ البدايات، راهنت على الحلول السهلة و لم تستثمر في الإنسان، لكن على جيلك تغيير المعادلة بالاجتهاد و الإصرار على بناء أنفسهم هنا في بلدهم، لا الهروب منه إلى الضفة المعادية. لا شيء في هذه الدنيا يُنال برمشة عين؛ لا بد من الكد و الاجتهاد. و لا يهمك من اغتنوا أو نجحوا بالاحتيال و النصب، فالربح السريع لا يباركه الله تعالى. عليكم بالثبات، و ما هو أهم من النجاح المادي التميزُ الأخلاقي و الفكري، و هذا له وزنه عند الله عز و جل.”
صحيحٌ ما قاله ذلك التلميذ؛ فالنظام الحاكم منذ سنة 1962 حارب الذكاء، و لم يبنِ اقتصادًا قائمًا على البحث العلمي و المعرفة، و لم يحفز الباحثين و النوابغ، و لم يفتح لهم مجالات البحث في ميادين كثيرة، من الطب إلى تكنولوجيا النانو. كما أن كثيرًا ممن تعاقبوا على الحكم لم تتوفر فيهم الكفاءة الأخلاقية و العلمية لتولي مناصب المسؤولية، و اعتبروا البلاد مجرد غنيمة حرب يستغلونها لمصالحهم الشخصية الضيقة. فلم يعملوا وفق استراتيجية نهوض حضاري، بل اعتبروا ماضيهم الثوري رخصة لاستباحة البلاد و العباد.
و لم تخسر الجزائر شيئًا كما خسرت الإنسان.
لكن يقيني أن مصير مركب الجزائر سيكون الغرق إن لم يستفق النافذون في هذه الدولة، فدوام الحال من المحال.