
يقول أحد المفكرين: “إسرائيل تعتقد أنها دمَّرت غزة، لكنها في الحقيقة هدمت النموذج الغربي الذي سيطر على الفكر الإسلامي لأكثر من قرن”.
هذه كلمات قليلة، لكنها تختصر مئة عام من الانبهار الزائف بالنموذج الغربي. منذ سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924، غرقنا- نحن العرب- في: فكر الغرب، و ثقافته، و قوانينه، و عاداته، و تقاليده، و تقاليعه؛ حتى صرنا نقيس كل شيء بمسطرتهم لا بمسطرتنا.
سَوَّق لنا بعضُ من يدَّعون أنهم مفكرون و مثقفون أن النموذج الغربي هو الكمال الإنساني. و لمَ لا؟ فالغرب يتبنَّى شعارات برَّاقة: الحرية، العدالة، المساواة، حقوق الإنسان… بل و حتى حقوق الحيوان! سوَّقوا لنا فكرة أن النموذج الغربي هو نهاية الحلم الإنساني.
لكن جاءت الحربُ الأخيرة على غزَّةَ لتبيِّن بوضوح أن هذا “الحلم” كان كذبةً كبيرةً. كشفت هذه الحرب نفاق النموذج الغربي، فبانت الحقائق عندما تعلَّق الأمر بفلسطين و بالعرب و المسلمين عمومًا:
بينما يدَّعي الغرب الدفاع عن الإنسانية، يزوِّد دولة الصهاينة بأسلحة تُستخدَم لقصف النساء و الشيوخ و الأطفال.
بينما يرفع رايات حقوق الإنسان، يبرر لنفس القوى ما يُرتكب باسم “الدفاع عن النفس”.
بينما يرفع شعارات العدالة و المساواة، ينتهج ازدواجية معايير صارخة.
بينما يعلن حماية الحقوق في أماكن، يتغاضى عن الحصار الذي يحرم غزة من الماء و الدواء و الغذاء.
كل هذا فضحته الحرب الأخيرة في غزَّة؛ فضحت زيف صورة الغرب المقدَّسة في عقول كثيرين. لم تُحَطّم غزة فحسب، بل انهار ما بقي من وهم الحضارة الغربية لدى ملايين المسلمين.
آن الأوان أن نخلع عباءة الغرب المزيَّفة، و نرتدي درع هويتنا الإسلامية التي كانت غزة سببًا في بعثها من تحت الركام؛ فحوَّلت الجرح وعيًا، و الدم نهضةً، و الأنقاض مشروعَ حضارة. حوَّلت اليأس أمَلًا، و الخوف شجاعةً، و الانكسار عزَّة.
آن الأوان أن ندوس هذا النموذج الغربي الزائف، و نتبنَّى نموذجًا حضاريًّا أصيلًا مستمدًّا من كتاب ربِّنا و سُنَّة نبينا. فنحن أهلُ البطولات و التضحيات، أهل المجد و الكرامة؛ و شبابُنا جيلٌ لا يرضى بالذلِّ بل يصنع التاريخ.