
في العالم العربي، أدى شعور الفرد -و خاصة نخبة النخبة- بالتهميش الاجتماعي و الاقتصادي، خاصة مع ضعف القدرة الشرائية إلى تراجع حاد في ثقافة الذوق العام؛ و أكثر ما تراجع فيها (إيتيكيت الفضاء العام)؛ خاصّة عند الرجال.
في ثقافتنا الأصيلة؛ يعتبر اللباس المحترم علامة على احترام الشخص للآخرين قبل أن يكون تعبيرا عن احترامه لذاته؛ و هو المفهوم الذي تراجع بشدة في السنوات العشر الأخيرة؛ بعدما تخلّت الرموز أو النخب و القدوات عن احترامها لإيتيكيت الفضاء العام بما يناسب مقامها ؛ حتّى صارت النخب تخلط بين الفضاء الخاص و العام ؛ فارتداء النعل أو الشحاطة و القمصان اليومية أو الرياضية أو الثياب غير الرسمية في المؤسسات الرسمية و العامة، و الإدارات يمثل مؤشرا واضحا على شعور الفرد بالاحتراق، و بعدم قيمته و قيمة ما يقدمه، و يظهر خلطا بين الملابس المخصصة للمنزل أو الحي (الفضاء العائلي) و بين الملابس المخصصة للدوام الرسمي.
لا يقتصر مشهد ارتداء النعال (الشحاطات) و القمصان اليومية المبتذلة داخل أروقة المؤسسات الرسمية و الإدارات العامة و المؤسسات التربوية و الأكاديمية حتى من المسؤولين النوعيين عن كونه سقطة في الذوق ؛ بل يعتبر بيانا احتجاجيا صامتا و مؤشرا سيكولوجيا صارخا على احتراق الذات ؛ جرّاء التهميش الشامل، و غياب أدوات العيش الكريم. و إذا كان هذا حال النخبة والقدوات و الرموز فحال من هم أقل منهم في السلم الاجتماعي أسوأ بكثير جدا.
يعدّ انحدار الذوق المقدمة الحتمية لانحدار الفكر ؛ و حين يصبح العلم حافيا، و تغدو الإدارة مبتذلة، فإن الأمة برمتها تسير نحو إفلاس حضاري شامل يبدأ بالتخلي عن قيم الذوق العام و لوازمه من البدلة الرسمية إلى احترام الوقت و الآخرين، و ينتهي بخلع الأفكار و القيم من جذورها، و قد كان المفكر الجزائري مالك بن نبي يعرف وجهة المجتمع من مؤشرات فردية، فكيف الحال حين تصبح المؤشرات الفردية ظاهرة قائمة بذاتها ؟
الرابط : عن صفحة فيسبوك الدكتور الوغليسي