من المواجهة إلى الردع: إيران تكرّس معادلة جديدة للقوة
بقلم الأستاذة رانيا قاسمي رئيسة تحرير قناة العالم

لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاءت في سياق صراع أوسع حمل أهدافاً سياسية و استراتيجية حاول العدو تحقيقها عبر مختلف أدوات الضغط و التصعيد خلال العام الماضي. إلا أن مسار الأحداث، أظهر أن تلك الأهداف لم تتحقق، و أن المواجهة أنتجت واقعاً جديداً يختلف عمّا كان قائماً قبلها.
فإيران التي خرجت من الحرب بصورة أكثر تماسكاً و وحدة، تقدّم نفسها اليوم أمام خصومها بمعادلة مختلفة؛ حيث تحولت حالة الاصطفاف الداخلي و العزة الوطنية إلى عنصر أساسي في منظومة الردع، و رسالة مفادها أن محاولات الضغط أو فرض المواجهة لن تعيد إنتاج الاهداف التي سعى إليها الخصوم.
و في المقابل، فإن فشل العدو في تحقيق مكاسب ملموسة من هذه الحرب، وضعه أمام تحديات جديدة في إدارة المواجهة، بعدما أصبحت الوقائع الميدانية أكثر تأثيراً من الحملات الإعلامية و التصريحات السياسية. و من هنا تبرز مرحلة ما بعد الحرب بوصفها مرحلة إعادة حسابات، عنوانها الأبرز: انتقال الصراع من اختبار القوة المباشرة إلى معادلة ردع جديدة.
إن تراجع و هروب النظام الأميركي المتكرر عن المواجهة و الحرب مجدداً مع إيران القوية، هو نتيجة إخفاقه الاستراتيجي و التاريخي أمام إيران. لقد كشف تشكيل السد القوي لمقاومة إيران و حلفائها في محور المقاومة جانباً من القدرات الدفاعية لهذه الجبهة أمام العدو، و أظهر أن المفاجآت غير المكشوف عنها أكبر بكثير مما تم كشفه حتى الآن.
إذا كان العدو قد أقبل على المفاوضات، فلأنه هُزم في الميدان و لم يحقق هدفه. فمن المؤكد أنه لو كان التقدم في الميدان و تحقيق النصر على إيران ممكناً و متحققاً لأميركا، لما فكرت للحظة في قبول هدنة و مفاوضات لإنهاء الحرب. العدو الذي كان هدفه تدمير نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية و تقسيم و نهب مواردها و ثرواتها، و أعلن هذا الهدف علناً و رسماً، بعد هزيمته المريرة في الميدان العسكري، يسعى الآن عبر دبلوماسية التوسل للخلاص من الحرب.
إن القبول الآن بأن تقول إيران إنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، رغم أن العالم يسمع هذا من إيران منذ سنوات، أصبح الهدف الرئيسي لأميركا للحفاظ على ماء وجهها و كرامتها، كي لا تخرج من الساحة بهزيمة مطلقة. أميركا التي بدأت الحرب لاستسلام إيران، أصبحت الآن مستسلمة أمام إيران، و قد قبلت معظم الشروط الإيرانية الرئيسية لإنهاء الحرب:
1. أميركا التي طلبت من إيران، بعد انتهاء الاشتباكات العسكرية و بدء فترة الهدوء في الميدان، و بوقاحة ، أن تتبرأ من محور المقاومة و توقف كل أنواع الدعم السياسي و المالي و العسكري له، لم تحقق هذا الهدف فحسب، بل إن إيران هي التي تجبرها على وقف كلبها المسعور، أي الكيان الصهيوني، في لبنان. هذه علامة على ان ايران أصبحت قوة ناشئة عظمى و التي تجبر في أرضها القوة العظمى في العالم على وقف حرب في مكان آخر غير أراضيها. هذه علامة قوة إيران التي تجبر الكيان المعتدي المتمرد على وقف عدوانه ضد حزب الله في لبنان و إنهاء احتلاله للأراضي اللبنانية.
2. أميركا التي بدأت الحرب لتدمير إيران و تقسيم أراضيها، تتوسل اليوم إلى إيران لعودة مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب. لم تفقد إيران قيد أنملة من أراضيها و سلامتها الإقليمية في هذه الحرب، و لم يجرؤ العدو الغاشم المعتدي حتى للحظة على وضع قدمه القذرة على أرض إيران، إلا أن يُخرج منها مخزياً و مذلاً مجبراً على المغادرة بحقارة و صغار، و قد أظهر في سهل مَهيار بأصفهان مشهد ذل و إهانة قوة عظمى. و الآن هي أمام إيران التي أضافت إلى أراضيها قدرة إقليمية جديدة و مهمة جداً و هي مضيق هرمز. إن قوة إيران العظمى و ذل العدو يكمن في أن إيران قد فرضت و ستفرض إلى الأبد وضعاً جديداً في مضيق هرمز، و أميركا لا خيار لها سوى قبول هذه الحقيقة. مضيق أصبح الضامن الأهم لتنفيذ التزامات أميركا للخروج من الحرب مع إيران. مضيق ليس كأنابيب المياه الثقيلة في أراك التي تصبح غير صالحة للاستعمال بعد صب الخرسانة داخلها، بل يمكن في أي لحظة تحويله من وضع الأمان إلى وضع الإطلاق المكثف كسلاح قاتل.
3. أميركا التي حاولت بقصفها للمواقع النووية في كلتا الحربين (الحرب التي استمرت 12 يوماً و الحرب العدائية الثالثة) تدمير البنى التحتية و الإمكانات و المواد و المنشآت النووية الإيرانية، و ادعت ذلك مراراً، تضطر الآن لأن تطالب بأن تسمح إيران لها بتخفيف موادها النووية في أراضيها تحت إشراف الوكالة الدولية، و هي مجبرة على الاعتراف بحق إيران في التخصيب، و الاعتراف بالاحتياجات النووية الإيرانية. الإنجاز الوحيد الذي يحاول العدو الضجيج به في الملف النووي هو تعهد إيران بعدم صنع سلاح نووي، و هذا شيء أعلنته إيران منذ سنوات بصوت عالٍ و لا علاقة له بطلب أميركا الآن. كما أن هذا التعهد الإيراني نفسه قابل للتراجع في حال عدم التزام العدو بتعهداته.
4. أميركا التي فرضت لسنوات شتى أنواع الحظر الجائر على إيران و شعبها المظلوم، تُجبر الآن، و بعد هزيمتها السياسية و العسكرية و الاعتبارية و الأخلاقية أمام إيران، على التعهد بإلغاء جميع أنواع العقوبات. و حتى لو لم تف بهذا التعهد، فإن هذا المشهد يظهر من هو الخاسر و من هو الرابح في هذه المعركة. كما أنه في حال عدم الوفاء بتعهدها بإلغاء الحظر، فإن مضيق هرمز نفسه سينزل مجدداً على رأسها كعقاب، و سيصبح تعهد إيران بعدم صنع السلاح النووي كأن لم يكن.
5. أميركا التي حاولت بضرباتها العسكرية إرغام إيران على الاستسلام تُجبر الآن، و بأي عنوان كان، على التعهد بضخ مئات المليارات من الدولارات لتعويض هذه الأضرار في إيران. ترامب الذي كان يهين و يذل أوباما مراراً بسبب إرساله مليار دولار، يُجبر الآن على دفع مئات أضعاف ما اضطر أوباما لدفعه لإيران لبلدنا،كي يخرج من شر الحروب و المستنقع الذي وقع فيه، و في أول لحظة لإعلان انتهاء الحرب يضخ مليارات الدولارات لإيران.
6. الضامن لتنفيذ التزامات أميركا في أي اتفاق هو القدرة الذاتية لإيران نفسها. مضيق هرمز، و القدرات الدفاعية و العسكرية، و جبهة المقاومة القوية و الموحدة، و الشعب الدائم الحضور، و ثقة المسؤولين و حساباتهم الصحيحة، هي التي تضمن ترسيخ ذل و فضيحة و هزيمة العدو في الساحة السياسية بعد هزيمته في الساحة العسكرية.
7. أميركا بدأت طريق الأفول و الانهيار، و الكيان الصهيوني الملعون يسير في مسار الزوال أسرع مما كان متوقعاً. لدينا ملفات مفتوحة كثيرة مع هذين النظامين السفاحين المجرمين. لم تنتهِ إيران بعد مع هذين النظامين الغاشمين. سيتم فرض اذلال أكبر على هذين الكيانين في المستقبل. إن لإيران و للشعوب الحرة و المقاومة في المنطقة و العالم حسابات عالقة كثيرة مع أميركا المعتدية و الكيان الصهيوني المجرم، من الثأر لدم قائدنا الشهيد إلى دم كل فرد من أبناء هذا الشعب، و يد الله العليا التي ستكون معنا إذا آمنا به، إن شاء الله.