
أتابع بعض حسابات صناع المحتوى ممن يروجون للسياسات الاقتصادية بنشر أخبار يومية متشابهة: افتتاح فرع لشركة عالمية، توقيع اتفاقية في قطاع الأدوية، تدشين مؤسسة جديدة، أو شراكة مع دولة أجنبية، ويرفقون هذه الأخبار بعبارات رنانة تتحدث عن النهضة والتطور والمستقبل الواعد.
لكن، إذا سألت المواطن البسيط في الشارع عن رأيه، فسوف ينظر إليك بحسرة ويمضي مثقلا بهموم يومه. فلماذا هذا الانفصال التام بين بلد الأخبار وبلد الواقع؟
الحقيقة أنّ الأمر يشبه تماما حياة أسرة فقيرة تعيش في حي منسي، بالكاد يؤمّن أفرادها قوت يومهم وثمن خبزهم الأساسي. وفجأة، يأتي رجل ميسور الحال ويفتتح في قلب هذا الحي المنسيّ محلا فاخرا لبيع الشّوكولاتة المستوردة، ومع انتشار أخبار عن جلب المحل أنواعا جديدة من الشّكلاطة؛ يبتهج البسطاء بالخبر وبالمظهر، ويتفاخرون بأن حيّهم أصبح راقيا بدخول هذه الماركات وتوسّع المحلّ.
لكن الحقيقة المرّة هي أنّ المحلّ يربح، والأثرياء يستمتعون، وأهل الحي المنسيّ يزدادون شعورا بالعجز والحرمان.
إن افتتاح الشركات والمختبرات يمثل واجهة العرض للدولة، وهو ما يسميه الاقتصاديون النمو الاسمي، يرفع هذا النمو أرقام الناتج المحلي ويظهر في التقارير الرسمية، لكنه منحاز أي أنه ينحاز للأثرياء فقط.
لا يقاس التطور الحقيقي بعدد الاتفاقيات، بل بالقدرة الشرائية للفرد. فما قيمة أن تفتح مولات جديدة ومصانع أدوية جديدة إذا كان راتب الموظف قد تآكل بفعل التضخم، وأصبح عاجزا عن شراء قائمة أدوية؟ وما فائدة الشراكات الأجنبية إذا كانت أرباحها تخرج بالعملة الصعبة لخارج البلاد، بينما يحصل العامل المحلي على فتات لرواتب لا تغطي إيجار منزله، أو مصاريف شهرية ثقيلة؟
حين تتحدث بهذه الحقائق يغضب صناع المحتوى، ويخرجون أشهر ورقة لديهم للدفاع عن هذه الأشياء، فيقولون: تحتاج هذه المشاريع وقتا لكي تثمر وتظهر نتائجها. وهذا صحيح في علم الاقتصاد، بشرط أن تكون البنية التحتية مصممة لخدمة المجتمع ككل. أما عندما يكون هيكل الاقتصاد قائما على افتتاح فروع لمصانع عالمية مثلا، أو جلب استثمارات تخدم رفاهية الطبقة المخملية أو أصولها المالية والعقارية وشركاتها، بينما تنحدر الطبقة الوسطى نحو الفقر، فإن عامل الوقت لن يغير شيئا.
لأنّ الوقت لن يحوّل الشوكولاتة الفاخرة إلى خبز يومي للفقراء.إن طلاء واجهة منزل متآكل بالألوان الزاهية لن يحميه من الانهيار إذا كانت أساساته تتشقق. وبالمثل، فإن تزيين الاقتصاد بالفروع الأجنبية والبروتوكولات السياسية، مع ترك المواطن يواجه سحق التضخم وانهيار العملة، هو مجرد صناعة وهم.
على صناع هذا النوع من المحتوى أن يعلموا أنّ الاقتصاد الذي لا يطعم شعبه، ولا يحمي قدرته الشرائية، ولا يرفع مستوى معيشة الفرد العادي، هو اقتصاد يشبه حال سائق سيارة يسير وعينُه على مؤشر السرعة وهو في أقصى سرعة، بينما خزان وقود سيارته يتجه نحو مؤشر الصفر. (بالمناسبة يمكن لهذا النوع من صناع المحتوى الاستمرار شريطة عدم محاولة صناعة الأوهام عبرها، مع عدم المزايدة بالوطنية أمام كل من ينتقدهم).
قبل أن تبهر ناسك بماركات الشوكولاتة الجديدة التي دخلت بلدك، أخبرنا أولا: هل أصبح الفرد قادرا على تأمين ثمن علاجه وخبزه وكرامته؟ هنا فقط يكمن التطور الحقيقي.