
هل معيار النجاح الاقتصادي هو كثرة المشاريع و الإعلانات الرسمية، أم قدرة المواطن العادي على العيش الكريم؟ هذا سؤال أساسي في أي نقاش جاد حول التنمية و الفاعلية الاقتصادية.
فما لاحظته منذ أكثر من عقد من الزمن هو أن المواطن البسيط يعيش بالتقسيط لأنه عاجز عن تسديد فواتير مختلف مشترياته طوال الشهر. كم من مرة دخلت محلاً فوجدت لافتة مكتوباً عليها: «لا تحرجنا، لا نقبل التقسيط». فبين الخطاب الرسمي و الواقع فارق كبير.
فنحن لا نزال في اقتصاد ريعي، و لم ننجح بعد في بناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا و المعرفة، و لا في تنويع مداخيل الدولة بالقدر الكافي، كما أن توزيع الثروة لا يزال دون المستوى المطلوب بصراحة. فبقاء المواطن رهينة راتب نهاية الشهر المحدود لا يضمن له العيش الكريم.
و إلى حد الساعة، لا نزال نعاني من ضعف التخطيط في العديد من المجالات. فكيف لدولة غنية بالموارد البشرية و المادية أن يبقى فيها المواطن عاجزاً عن الحصول على راتب يكفيه و يغنيه عن الاقتراض؟ و كيف نفسر معدلات التضخم المرتفعة التي تثقل كاهل المواطنين؟ و كيف أصبحت الأسعار في كثير من الأحيان خارج نطاق السيطرة الفعلية للدولة ؟
لقد سبق أن قلت إن استفاقتنا جاءت متأخرة فيما يتعلق بالخيارات الاقتصادية البديلة عن ريع المحروقات. كما أن تدشين المشاريع الضخمة، في حد ذاته، لا يعني بالضرورة تحقيق التعافي الاقتصادي. فنحن في حاجة إلى استراتيجية اقتصادية تعتمد أحدث الاكتشافات في مجالات التكنولوجيا و العلوم، و تستثمر في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم.
كما لا بد من إشراك جميع القوى الحية في المجتمع، فالقطاع الخاص تقع عليه مسؤولية مهمة في تنشيط الحركة الاقتصادية و الاستثمار في مجالات حيوية و متنوعة، بدلاً من البقاء محصوراً في قطاعات محدودة.
إضافة إلى ذلك، فإن تحسين الخدمات العامة، من المدرسة إلى القطاع الصحي، ضرورة حيوية لا يمكن تأجيلها. فنحن كمواطنين لا نحظى بالخدمات التي تليق بحجم الموارد المتاحة للبلاد. و لا تزال البيروقراطية و المحسوبية تنخران العديد من المؤسسات، و هو ما ينعكس سلباً على أداء القطاعين العام و الخاص، و يحد من فرص تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تعود بالنفع على الجميع.
فالمعيار النهائي لأي سياسة اقتصادية هو مدى تحسن حياة المواطن العادي، و قدرته على العمل و الادخار و الإنفاق و العيش بكرامة دون الارتهان الدائم للدين أو التقسيط لتغطية حاجاته الأساسية.