تاريخسياسةقضايا حضارية

بعد سقوط أوهام الهيمنة.. لماذا يحتاج العرب ايران اكثر من أي وقت مضى؟

بقلم الأستاذ فارس الصرفندي صحفي وكاتب فلسطيني

ما إن تصمت المدافع و تنتهي الحروب حتى يبدأ الحديث عن اليوم التالي. فالحروب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تفتح أبوابًا جديدة لإعادة رسم التوازنات و بناء العلاقات على أسس مختلفة.

و اليوم، و بعد مرحلة من المواجهات و التوترات التي هزّت المنطقة، تبدو الفرصة متاحة أمام الدول العربية و إيران للانتقال من منطق الشكوك و الصراعات إلى منطق التعاون و الشراكة.

لقد أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرارًا أهمية علاقات الجوار مع الدول العربية، و الروابط التاريخية و الدينية و الحضارية التي تجمع شعوب المنطقة.

و إذا كانت هذه الرسائل تعكس توجهًا استراتيجيًا حقيقيًا، فإنها يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لبناء علاقة جديدة أساسها المصالح المشتركة و التكامل الإقليمي، بعيدًا عن الاستقطابات التي استنزفت الجميع لعقود طويلة.

فالواقع يشير إلى أن العالم العربي و إيران يمتلكان عناصر قوة متكاملة أكثر مما يمتلكان عناصر صراع.

فالدول العربية الخليجية تمتلك ثروات مالية هائلة و إمكانات استثمارية ضخمة، بينما تمتلك إيران قاعدة صناعية و علمية و تكنولوجية متقدمة نسبيًا، إضافة إلى موارد بشرية و خبرات تراكمت رغم سنوات طويلة من العقوبات و الضغوط.

و من شأن الجمع بين هذه المقومات أن يخلق كتلة إقليمية قادرة على التحول إلى لاعب دولي مؤثر، لا مجرد ساحة تتنافس فوقها القوى الكبرى.

و تدرك إيران أنها لا تستطيع أن تكون معزولة عن محيطها العربي، سواء من الناحية الجغرافية أو الاقتصادية أو الأمنية.

و في المقابل، بات من الضروري أن يقتنع العرب بأن إيران ليست دولة عابرة في الجوار، بل حقيقة جغرافية و تاريخية ثابتة تتقاطع معهم في كثير من المصالح و التحديات.

فالاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر محاولات الإقصاء أو العزل، بل من خلال بناء منظومة تعاون تحفظ مصالح الجميع.

كما أن استقرار النظام الإيراني و بقاءه قويًا و قادرًا على حماية مصالحه قد يفتح المجال أمام صياغة توازن إقليمي أكثر استقرارًا.

فالمنطقة عانت طويلًا من مشاريع الهيمنة الخارجية، و العرب يدركون أن أي فراغ في موازين القوى سرعان ما تملؤه قوى تسعى إلى فرض أجنداتها الخاصة.

و من هذا المنطلق، فإن بناء علاقات متوازنة مع إيران قد يشكل عنصرًا مهمًا في حماية الاستقلال السياسي و الاقتصادي لدول المنطقة.

و في هذا السياق، لا بد من التذكير بالتجربة التاريخية لنظام الشاه في إيران، الذي كان يُعرف بـ«شرطي الخليج».

فقد ارتبط ذلك النظام بعلاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة و «إسرائيل»، و تعامل مع محيطه العربي من موقع التفوق و الوصاية.

يومها وجد العرب أنفسهم مضطرين إلى التكيف مع معادلات فرضتها موازين القوى الدولية و الإقليمية.

أما اليوم، فإن الظروف تبدو مختلفة، و المنطقة تمتلك فرصة لإعادة صياغة علاقاتها على أسس أكثر توازنًا و احترامًا للمصالح المتبادلة.

لقد أفرزت الحرب الأخيرة تحولات عميقة في موازين القوى، و أظهرت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية في فرض الإرادات السياسية على شعوب المنطقة.

و من هنا، فإن الفرصة تبدو سانحة أمام العرب و إيران لفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون بدل المواجهة، و التكامل بدل التنافس، و الشراكة بدل الارتهان للخارج.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنهاء الحروب فقط، بل في القدرة على استثمار نتائجها لبناء مستقبل مختلف.

و ربما تكون اللحظة الحالية واحدة من أهم اللحظات التاريخية التي تتيح للعرب و الإيرانيين الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل، عبر استراتيجية إقليمية جديدة عنوانها التعاون و التكامل و بناء قوة مشتركة قادرة على التأثير في النظام الدولي المتغير.

الرابط :https://www.alalam.ir/news/7512008/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D8%A3%D9%88%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9–%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%8A-%D9%88%D9%82%D8%AA-%D9%85%D8%B6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى