
بينما يصرّ ترامب على تصوير سوريا كبديل عن “إسرائيل” في مواجهة المقاومة اللبنانية، تتمسّك دمشق بنفي قاطع لأي نية عسكرية لديها في هذا الشأن، و تُبقي خطابها مقتصرًا على الانتقاد السياسي و الإعلامي لحزب الله.
لم تكد ملامح الاتفاق الأميركي – الإيراني الذي يقضي بوقف العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و بدء مسار تفاوض لتنفيذ البنود المتفق عليها، و منها ما يتعلق بالعدوان على لبنان، تتضح، حتى انتقل ملفّ العلاقات السورية – اللبنانية من هامش الأحداث إلى صدارة المشهد السياسي في المنطقة، و ذلك من باب المصلحة الإسرائيلية التي أعاقت و ما تزال أي مسعى لوقف العدوان طوال الأشهر الماضية.
و كعادته، انبرى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من خلال تصريحاته الغريبة، إلى طرح “الحلول” على الجبهة اللبنانية، فاجترع “فكرة” قيام سوريا بدور عسكري في لبنان، يهدف إلى “تفكيك حزب الله” و القضاء على مقاومة الشعب اللبناني للاحتلال الإسرائيلي و اعتداءاته الوحشية المتواصلة، و ذلك بعد عجز “إسرائيل” عن القيام بتلك المهمة بشكل واضح.
للوهلة الأولى، بدا تصريح ترامب حول هذا الأمر، عابرًا و ابن لحظته، و ذلك نظرًا لسوابق ترامب في إلقاء التصريحات و المواقف الغريبة، لكن سرعان ما تحوّل الأمر إلى موضوع حاضر للنقاش و التحليل من جميع الأبعاد، و إلى ما يشبه مفصلًا سياسيًّا تشابكت فيه مواقف عواصم ثلاث، هي واشنطن و دمشق و بيروت.
خصوصًا أن الرئيس الأميركي قد أعاد الحديث في هذا “الخيار” مع الخوض في تفاصيل جديدة متعلقة به، منها العجز الإسرائيلي عن الوصول إلى نتيجة حاسمة، و طريقة الإسرائيليين في الحرب، و وجوب “تقديم المساعدة لهم” و القيام بهجوم “أكثر دقة على حزب الله”، و القول إن النتائج قد تكون أكثر حسمًا إذا ما قام السوريون بالأمر.
و لم ينس ترامب هنا، كعادته أيضًا، أن يمدح الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، معتبرًا أنه “قام بعمل جيد للغاية للعودة إلى الطريق الصحيح”. و قد تحولت “الفكرة” فعلًا، إلى موقف أميركيّ معلن بوضوح خلال قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة “إيفيان” الفرنسية.
حيث قال ترامب أمام الصحفيين إن “سوريا يمكنها أداء عمل أفضل من إسرائيل في مواجهة حزب الله”، مؤكّدًا أن “الرجل الذي يدير سوريا الآن، قادر على مواجهة حزب الله بشكل جيد”، و إنّه “اقترح على إسرائيل ترك سوريا تتولى الأمر، لأنها تؤدي هذا العمل بشكل أفضل”.
و في اليوم التالي، ذهب ترامب أبعد من ذلك، حين ربط الاقتراح بانتقاد علنيّ لـ”إسرائيل”، قائلًا “أخبرت إسرائيل أن هجومها على بيروت لا يروق لي”، و أضاف “إذا لم تستطع إسرائيل القيام بالمهمة من دون قتل آخرين، فعلى سوريا أن تقوم بالأمر”، كما كشف ترامب أنه بحث هذا الملف بالفعل مع الرئيس الشرع، من دون الخوض في تفاصيل أوسع.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يُطرح فيها احتمال قيام سوريا بدور في لبنان، فقد تطرقت تقارير جدية سابقة تعود إلى فترة ما بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد بقليل، إلى ضغوط أميركية في هذا الاتجاه، و قد حصلت بالفعل بعض الاشتباكات المتقطعة عند الحدود السورية – اللبنانية، كما استقدمت السلطات السورية الحشود إلى الحدود على دفعات خلال الأشهر الماضية، و من ذلك استقدام مقاتلين أجانب إلى منطقة “تلكلخ” الشهر الماضي.
لكن الأغرب على هذا المسار، هو قدوم “لواء كردي” كان يتبع لـ “قسد” قبل إعلان الانضمام إلى وزارة الدفاع، و تمركزه في منطقة القلمون. و حين سؤال أكثر من مصدر كردي في الشرق السوري عن هذا الأمر، و عن واقعيّة ربطه بأي هجوم عسكري سوريّ محتمل باتّجاه الداخل اللبناني، رفضت المصادر الكردية هذا الاحتمال جملة و تفصيلًا، و عبّرت عن رفض الشارع الكردي لتورط أي قوات كردية في الشأن اللبناني.
و في المقابل، حرصت السلطات السورية خلال الأسابيع القليلة الماضية، على نفي وجود أي نيّة لدى دمشق للانخراط عسكريًّا في الملف اللبناني، فقد أعلن الشرع الأسبوع الماضي، خلال لقاء جمعه بوفدٍ من وجهاء ريف دمشق، أن “ما يُشاع حول دخول سوريا إلى لبنان عار من الصحة”، مؤكّدًا أن دمشق لا تخطط لأي تدخّل من هذا النوع. كما نقلت مصادر صحفية لبنانية أن الشرع كرّر الموقف نفسه أمام زوار لبنانيين، مشدّدًا على أن دمشق لا تنوي التدخل في الشأن اللبناني.
و قد ذهب مستشار الرئاسة السورية، أحمد زيدان، أبعد من ذلك خلال لقاء له مع وسيلة إعلامية سورية قبل أيام قليلة، حين أعلن أن “سوريا رفضت مقترحًا أميركيًّا قدمته الولايات المتحدة الأميركية للتدخل عسكريًّا في لبنان”، و أن دمشق “ليست معنيّة بأي تدخل عسكري أو أمني في الداخل اللبناني”.
بيد إن زيدان، المعروف بخلفيّته الدينية و السياسية المتشددة، لم يوفر حزب الله من الانتقاد، متّهمًا إياه بالتدخل في الشأن السوري، و بأنه “يتسبّب بمشكلات للدولة السورية”.
و في السياق نفسه، أكّد بيان صادر عن وزارة الداخلية السورية، أن “لبنان دولة ذات سيادة، و ليست فناءً خلفيًّا كما كان النظام السابق ينظر إليها”، و ذلك في إشارة ضمنية إلى تغيّر نهج دمشق الجديدة في التعاطي مع جارها القريب، مقارنة بالحقبة السابقة. مع العرض هنا، أن وزارة الداخلية نفسها، دأبت خلال العام الفائت، على الإعلان عن القبض على خلايا مرتبطة بحزب الله في الداخل السوري، و هو الأمر الذي لطالما نفاه الحزب بشكل رسمي و حاسم.
و على الضفة اللبنانية، اعتبر الرئيس جوزاف عون أن بلاده “تأخذ تصريحات الرئيس ترامب بعين الاعتبار”، لكنّه عبّر عن ثقته بأن الرئيس السوري “يتمتّع بحس المسؤولية و لن ينخرط في المستنقع اللبناني”. أمّا وزير العدل، عادل نصّار، فقد كان أكثر وضوحًا في الرفض، حين أكّد أن “قضية نزع سلاح حزب الله تقع ضمن مسؤوليات الدولة اللبنانية وحدها”، و أن “الحل لا يكمن في تدخّل أي طرف أو قوة أجنبية”، مستذكرًا معاناة لبنان التاريخية من التدخلات الخارجية.
اللافت في كل هذا، أن الاقتراح الأميركي لم يلق اهتمامًا جديًّا في الداخل الإسرائيلي، فبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” اعتبر مسؤولون إسرائيليون أن الحديث عن دور سوري ضد حزب الله، هو أقرب إلى “واقع افتراضي” منه إلى خطّة قابلة للتطبيق، مشيرين إلى أن الحزب لم يعد يملك وجودًا فعليًّا في الداخل السوريّ، و أن دمشق غير قادرة على التحرك عسكريًّا داخل لبنان لأن “الأمر أكبر من قدرتها”. و قد لقي الاقتراح انتقادًا حادًا داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ وصفه السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال بأنه “فكرة سخيفة جدًّا”.
يكشف هذا التسلسل عن فجوة واضحة بين الخطاب الأميركي المتكرر و المواقف الفعلية على الأرض، فبينما يصرّ ترامب (الذي يتحدث دائمًا عن قدرته على إنهاء الحروب و إحلال السلام) على تصوير سوريا كبديل عن “إسرائيل” في مواجهة المقاومة اللبنانية، و بالتالي إعادة العلاقات السورية – اللبنانية إلى مربّع قديم يختزن الكثير من العداوات و الأحقاد و الأخطاء، تتمسّك دمشق بنفي قاطع لأي نية عسكرية لديها في هذا الشأن، و تُبقي خطابها مقتصرًا على الانتقاد السياسي و الإعلامي لحزب الله، و هو ما أعاد الرئيس السوري الانتقالي تأكيده في حواره الإعلامي الأخير مساء الأحد الفائت، و الذي أخذ الملف اللبناني الحيّز الأكبر منه.
حيث جدد الشرع تصريحاته السابقة حول عدم النية بالتدخل في الشأن اللبناني، و دعا إلى الحوار و ضرورة اعتماد الحلول التفاوضية في الملف اللبناني، بل و عبّر عن الاستعداد للجلوس مع حزب الله و الحوار معه.
و قال إن دمشق تمدّ يدها إلى لبنان، و إنّ لدى سوريا العديد من الأدوات القادرة على التأثير إيجابيًّا داخل لبنان، و لكن هذا يعتمد، برأيه، على التوافق اللبناني بالدرجة الأولى، و شدّد على أن سوريا يهمّها جدًّا أمن لبنان و استقراره.
و بعيدًا من التصريحات الإعلامية، فإنّ معوقات كثيرة تقف في وجه تحويل الاقتراح الأميركي (الذي قد يتحوّل إلى “أمر” مباشَر في أي لحظة) إلى مشروع قائم بالفعل، و منها رفض تركيا (صاحبة النفوذ الأكبر و المؤثر لدى الحكم في دمشق)، حتى الآن، لخطوة كهذه.
فأنقرة التي أدخلت دمشق و بيروت ضمن دائرة أمنها القومي، تدرك أن خطوة كهذه ستقلب الطاولة في وجه الجميع في المنطقة، فالأمر أقرب إلى إشعال حرب أهلية في لبنان، ستمتد نيرانها إلى الداخل السوري لأن القوات السورية ستكون عنصرًا رئيسيًّا فيها، و ستكون تركيا، و أمنها القومي ذاته، أكبر المتضررين منها.
كذلك لا شكّ أن دمشق (و معها أنقرة) قد أدخلت في حساباتها ردود أفعال إيران و قوى المقاومة في المنطقة، و خصوصًا في العراق. ناهيك بقلق دمشق من مواقف العديد من الدول الإقليمية التي ترى في تمدد القوات السورية خارج الحدود، خطرًا عليها و على الإقليم كله، و على رأس تلك الدول، مصر و السعودية و الأردن، التي تفيد المعلومات أنها حذّرت دمشق من الهجوم على دول الجوار أو التمدد عسكريًّا في أي اتجاه في الإقليم. كما تخشى دمشق من اتساع رقعة الحرب و أدواتها في حال أقدمت على هذه الخطوة، و بالتالي تخلّي ترامب عنها في حال تعقدت الأمور أكثر خلال المواجهة.
و فوق ذلك كلّه، فقد أعلنت قوى وجهات و قيادات إسلامية سورية أو تنشط في الداخل السوري، أنها، و على الرغم من موقفها من حزب الله، إلّا أنها ترفض بشكل قاطع أن يكون الإسلاميون أداة في يد “إسرائيل” و الولايات المتحدة لضرب قوة مقاومة تواجه “إسرائيل”.
أضف إلى ذلك أنّ فرصة التحشيد لدى تنظيم “داعش” الذي بدأ باستعادة نشاطه مؤخّرًا، وأعلن عن عدة هجمات على قوات وزارة الدفاع السورية خلال الأيام و الأسابيع الفائتة، ستصبح أقوى بكثير من السابق، خصوصًا أنّ الدعاية الإعلامية للتنظيم، قد دأبت مؤخرًا على توصيف الحكم السوري الجديد و قواته المسلحة، بالأداة لدى القوى الغربية المعادية للإسلام و المسلمين، على حد توصيفهم.
و يبقى السؤال الأهم هنا، و هو، بالنظر إلى حاجة الجيش السوري إلى غطاء جوي (أميركي و إسرائيلي)، و إلى أسلحة متطورة جديدة (أميركية و إسرائيلية أيضًا) للدخول في عملية كبيرة كهذه، فهل هناك في “تل أبيب”، من سيقبل بإمداد الجيش السوري الجديد الذي يقول الإسرائيليون إنه لا يمكن الثقة بمقاتليه الإسلاميين، بأسلحة أميركية جديدة و متطورة؟ الجواب حتى الآن: لا يبدو أنّ أحدًا في “إسرائيل” قادر على السماح بمخاطرة كهذه.