
الوفد الموجود حاليًا في الجزائر هو، بحسب المعلومات المتاحة، بعثة دورية من صندوق النقد الدولي في إطار مشاورات المادة الرابعة (Article IV Consultation)، و هي زيارة يجريها الصندوق بانتظام مع جميع الدول الأعضاء تقريبًا، سواء كانت مقترضة منه أم لا.
و تتمثل أهداف هذه الزيارة عادة في تقييم أداء الاقتصاد الجزائري خلال العام الماضي، و مناقشة السياسة المالية، و لا سيما توازن الموازنة و مستويات الإنفاق العام، و دراسة تطورات التضخم و السياسة النقدية و سعر الصرف، و تقييم أوضاع قطاع المحروقات و أثر أسعار النفط و الغاز في المالية العامة، إضافة إلى مناقشة الإصلاحات الاقتصادية، مثل تنويع الاقتصاد، و تحسين مناخ الاستثمار، و إصلاح المؤسسات العمومية. و في ختام الزيارة، يُعدّ تقرير يُرفع إلى المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، يتضمن تقييمًا للاقتصاد الجزائري و توصيات غير ملزمة للحكومة.
إذن، البرنامج واضح، و الأهداف أوضح. غير أنني أعتبر هذه الزيارة فرصة للتوقف عند جملة من السلبيات التي سجلتها على مدى عقود.
أولًا، لا يزال سعر الصرف غير موحد، و ما زالت هناك سوق موازية للعملة الصعبة إلى جانب السوق الرسمية. و قد صدر ترخيص بفتح مكاتب لصرف العملات الأجنبية، لكن هذه المكاتب بقيت في معظمها فارغة أو غير مفعلة، و لا يزال المواطن يتوجه إلى السوق الموازية لتلبية احتياجاته. و في هذا المجال، لا يمكن الحديث عن تقدم فعلي يقضي بصورة كاملة على السوق السوداء.
ثانيًا، يظل التهرب الضريبي من أبرز الإشكالات. و أقول ذلك لأنني لم ألاحظ هذه الظاهرة بالقدر نفسه في تونس أو إندونيسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الجزائر، كثيرًا ما يشتري المواطن سلعة من دون أن يحصل على فاتورة. و أذكر أنني، عندما اشتريت أريكة في إحدى المرات، طلبت فاتورة، فإذا بالبائع يجيبني: “إذا أردت الفاتورة فسأرفع سعر الأريكة.” كما أن هناك تجارًا يدفعون الرشاوى للتهرب من الضرائب المستحقة، و هو أمر يبعث على الاستغراب.
ثالثًا، لا تزال ميزانية الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على ريع النفط و الغاز. فرغم الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد، تبقى التبعية لعائدات المحروقات مرتفعة، في وقت لا يرحم فيه الزمن، و تزداد فيه تعقيدات الظرف الدولي. و إذا كانت الجزائر تطمح إلى أن تصبح همزة وصل اقتصادية بين إفريقيا و أوروبا، فإن ذلك يتطلب اقتصادًا منتجًا و مداخيل من خارج قطاع النفط و الغاز بمستويات كبيرة، تفوق 200 مليار أورو، و هو ما لم يتحقق بعد.
رابعًا، لا يزال مناخ الاستثمار دون المستوى المطلوب. ففي بعض القطاعات و الملفات، لا تزال دراسة المشاريع الاستثمارية تتسم بالبطء. صحيح أن التصريحات الرسمية تتسم بالتفاؤل، و من الطبيعي أن تسعى الحكومات إلى بث الثقة، غير أن الواقع يكشف أن معالجة العراقيل الإدارية و المؤسساتية لم تبلغ بعد مستوى الفاعلية الكفيل بدفع البلاد نحو استقلال اقتصادي أكثر رسوخًا و سيادة.