سياسةنظرات مشرقةيهمكم

تواطيء النخب الحاكمة : العراق نموذجا

بقلم عفاف عنيبة

ما لا يعرفه كثيرون عن النفط العراقي هو الآتي:

آلية الإيداع: تُودَع عائدات مبيعات النفط العراقي بالدولار في حساب رسمي يخص البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

حرية التصرف: تتولى الحكومة العراقية و البنك المركزي العراقي إدارة هذه الأموال، و يحددان أوجه الإنفاق و الاستيراد.

النفوذ الأمريكي: يمنح هذا الترتيب الولايات المتحدة قدراً من النفوذ الرقابي، إذ تستطيع مراقبة تدفقات الدولار و التأكد من عدم وصوله إلى جهات أو دول خاضعة للعقوبات الأمريكية، مثل إيران.

و هكذا تُطرح تساؤلات جوهرية حول مدى اكتمال السيادة الاقتصادية العراقية، إذ تبقى عائدات المورد الرئيسي للدولة خاضعة لآلية تمنح واشنطن قدرة على التأثير في حركة الدولار داخل العراق. و من يبالغ في الحديث عن النفوذ الإيراني في بغداد، يجدر به أيضاً أن يناقش النفوذ الأمريكي في المجالين المالي و الاقتصادي و العسكري.

أما من يظن أن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق حقق التحرير الكامل لهذا البلد، فإنه يتجاهل أن الانسحاب كان جزئياً، إذ لا يزال للولايات المتحدة وجود عسكري على الأراضي العراقية، هذا و الأمريكيون رخصوا لبنو صهيون التواجد الإستخباراتي و العملياتي علي مرمي من حدود إيران مع العراق. فكيف يمكن توصيف هذا الوجود العسكري، إلى جانب الرقابة المالية المفروضة على حركة الدولار ؟

و في المقابل، تبقى سياسات بغداد دون المستوى الذي يتطلع إليه كثير من مواطنيها. فقد هُزم تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل، لكن شرائح واسعة من سكان المدينة فقدت منازلها و أفراداً من عائلاتها، و لا تزال عمليات التعويض و إعادة الإعمار و التأهيل تسير بوتيرة بطيئة مقارنة بحجم الدمار الذي خلفته الحرب.

و هذا يقود إلى خلاصة مفادها أن التدخلات العسكرية الأجنبية كثيراً ما تحقق مصالح القوى المتدخلة أكثر مما تحقق مصالح الشعوب التي تقع على أراضيها الحروب. و لعل التجربة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر تقدم مثالاً واضحاً؛ فقد رُوِّج للاحتلال باعتباره “مهمة حضارية”، بينما كانت معظم مظاهر التنمية آنذاك موجَّهة أساساً لخدمة المستوطنين الأوروبيين.

لا ثقة و لا أمان في العدو و إن لم ندرك ماهية الهيمنة الغربية بعد، فهذا لأن جزء من نخبنا الحاكمة متواطئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى