
من شدة اضمحلال القيم العائلية في بعض المجتمعات الغربية ذات التوجه اللاديني، قرر بعض الأمريكيين و الأوروبيين الهجرة إلى روسيا الفيدرالية بحثًا عما يفتقدونه في بلدانهم الأصلية. و يُعد هذا البحث تعبيرًا عن خوف عميق و حزن أكبر إزاء تلاشي معانٍ سامية تجعل من العائلة النواة الصلبة لمجتمع صحي. و قد لا يجد بعضهم في روسيا كل ما يبحث عنه، و لكن مجرد الإقدام على الهجرة، رغم الحرب الدائرة في أوكرانيا، يُعد مؤشرًا على وجود أزمة قيم يشعر بها جزء من هؤلاء المهاجرين.
و نحن، على خلاف ما نتصوره عن الغرب، نحسن الظن بأنفسنا، و نعتقد أن العائلة لا تزال تتمتع بمكانتها المميزة، و لكن هل حقًا ما نظنه حقيقة ؟
فنحن نلمس يوميًا الانعكاسات الوخيمة على استقرار الأسرة و على النمو الطبيعي للأبناء من جراء غياب الوالدين، إذ ينشغل كل واحد منهما بتحصيل الرزق، و هذا لا بد أن يخلّف أضرارًا. فيما مضى، كان وجود الأم الحاني يخفف من الغياب الطويل للأب، أما اليوم فقد تغير الوضع ؛ فالطفل يعود إلى البيت وحده، و يضطر إلى القيام ببعض الأعمال ليتمكن من تناول وجبة ساخنة، و عندما يلتقي بوالديه في آخر النهار قد لا يجد منهما الإصغاء الذي يحتاج إليه، كما أنهما قد لا يكونان في حالة تسمح لهما بالجلوس إليه و الحوار معه، و هذا مؤشر سلبي.
فالطفل لا يحظى بالقدر اللازم من الاهتمام، و القدر القليل الذي يناله قد لا يشبع حاجته النفسية و العاطفية، و في مكان ما من ذاكرته و وجدانه ستبقى فجوة سببها افتقاده عوامل الإشباع النفسي و العاطفي. و لا أظن أن المستوى المادي المتوفر يمكن أن يعوضه عن ذلك.