
من ينظر إلى أحوالنا سينتبه فورًا إلى ذلك التوجه العام لدى شعوبنا نحو كسب معركة الاسترزاق، فالنظام الدولي حوّلنا إلى سوق استهلاكية ضخمة ؛ نستهلك و لا ننتج. كما تركز جهود القائمين على الاستخبارات الأمريكية و الصهيونية على جعل أراضينا بؤر توتر دائمة، بحيث يتعذر على المواطن العادي التفكير في شيء آخر سوى البقاء على قيد الحياة.
في غزة، على سبيل المثال، لا وجود لتعليم ؛ فالمدارس التي لم تُقصف تؤوي نازحين، فكيف يتسنى للتلميذ الفلسطيني أن يتمدرس و يطلب العلم ؟ و من مصلحة القوى الكبرى أن نظل جهلة، لا نفقه شيئًا من أبجديات النهضة الحضارية. و مما زاد الطين بلة سعي الأنظمة السياسية إلى البقاء بأي وسيلة، بدل العمل من أجل بناء دولة ذات سيادة، و إقامة حكم راشد.
و ما لم تفهمه بعد بعض نخبنا أننا شركاء في هذا الانحطاط، و أن من لم يبدأ بإصلاح نفسه فلن يجدي خطابه و لا فكره.
و في سياق التحولات الإقليمية، تأتي زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا. ففرنسا، التي لم تعد صاحبة الكلمة العليا في لبنان و لا في دول الساحل الإفريقي، لا تزال تراهن على الحفاظ على موطئ قدم لها في بلاد الشام. و تندرج هذه الزيارة ضمن رؤيتها الاقتصادية و الاستراتيجية، إذ إن العلاقات بين الدول تبقى، في جانب مهم منها، محكومة بالمصالح الاقتصادية و ما تتيحه الاتفاقيات من صفقات تعود بالنفع على شركاتها.
أما لبنان، القريب من سوريا، فما يزال يدفع ثمن ضعفه و انقساماته، و يجد نفسه عاجزًا عن صد الاعتداءات الإسرائيلية، كما أن التعويل على الدعم العربي يبقى محدودًا في حدوده الدنيا. و المفارقة أن لبنان يضم شعبًا صامدًا متمسكًا بأرضه، في وقت يعيش فيه عدد كبير من أبنائه أو من المقيمين على أرضه ظروف النزوح، بينما تتنكر فئة من القوى اللبنانية لأبسط مقومات التضامن الوطني. و ما يجري هناك ليس إلا صورة مصغرة لما آلت إليه دول نظام التجزئة العربي.