قضايا اجتماعيةنظرات مشرقةيهمكم

لماذا تغيّرت، بهذا الشكل المقلق، معايير اللياقة و الاحترام في مجتمع جزائري مأزوم؟

بقلم عفاف عنيبة

 

اهتمامي بعلم الاجتماع مؤكد، لأنني أكتب الرواية و القصة، و لهذا سأتناول هذه المسألة التي قد تبدو لبعض القرّاء غير مهمة، لكنها في نظري مسألة بالغة الدلالة. قبل يومين كنتُ في حيٍّ راقٍ بالعاصمة الجزائرية، كما سبق لي أن ذكرتُ في مقالتي المعنونة بـ «بين الأرض و المشتري»، و لاحظتُ جانبًا أثار انتباهي و ذكّرني بملاحظة أبدتها قريبةٌ مهاجرة مقيمة في إحدى الدول الغربية، إذ قالت لي:

«عفاف، لا أفهم الهيئة الرثّة التي يظهر بها الجزائريون، نساءً و رجالًا. يخرجون إلى الشارع بملابس تصلح للبيت، و عندما تمطر لا يرتدون أحذية شتوية تقيهم ماء المطر. في الغرب، حتى العاطل عن العمل يخرج إلى الشارع ببدلة محترمة و أحذية لامعة، كما أن لباس النساء و الرجال مقبول اجتماعيًا. ما بال الجزائريين؟»

اللافت للانتباه أن في الأحياء الراقية، و كذلك في أحياء ذوي الدخل المتوسط، نادرًا ما نرى عند هطول المطر أشخاصًا يرتدون أحذية شتوية. فما الأمر؟ الأثرياء قادرون على شراء حذاء شتوي يفوق ثمنه نصف مليون سنتيم، فلماذا لا يفعلون ؟ لماذا يخرجون إلى شوارع مبللة بالمياه و هم ينتعلون أحذية رياضية؟ و لماذا، بصفة عامة، نادرًا ما نرى جزائريًا يرتدي بدلة محترمة ؟ و نادرًا ما نرى لباسًا لائقًا للنساء أو للرجال في الفضاء العام.

إن هذا الشكل من الإهمال للمظهر الخارجي يعبّر، في رأيي، عن أزمة نفسية و اجتماعية عميقة. فقد رأيت أحيانًا أحذية ممزقة، أو ملابس قديمة، أو غير مكوية، بل و ممزقة عند الأطراف. و في عزّ الشتاء، وفي شدة البرد، يخرج صغار و كبار بأحذية منزلية مفتوحة تتبلل بالماء المثلج، غير عابئين بصحتهم.

مثل هذا السلوك غير طبيعي في تقديري المتواضع ؛ فالإنسان مطالب باحترام الشارع و الأماكن التي يرتادها، لأن خروجه بهيئة مهملة يضعه في صورة غير لائقة، و يعرّضه لحكم اجتماعي قاسٍ. الإهمال الجماعي للمظهر، خاصة حين لا يكون سببه الفقر، يدل غالبًا على تآكل الإحساس بالقيمة الاجتماعية للذات، و على ضعف الثقة في الفضاء العام بوصفه مجالًا يستحق الاحترام.

حاولتُ مرارًا فهم سبب هذا الإهمال للمظهر، و في كل مرة كنت أفشل، لأن أسئلتي كانت تصطدم بأجوبة غير مقنعة، مثل: «ليس لدي وقت أضيعه في المظهر»، أو «من سيهتم بلباسي؟»، أو «لا أضيّع مالي في الملابس، الأفضل تخصيصه للفواتير، فاللباس المحترم اليوم باهظ الثمن».

و السؤال الذي يفرض نفسه في الأخير: لماذا تغيّرت، بهذا الشكل المقلق، معايير اللياقة و الاحترام في مجتمع جزائري مأزوم؟

و أري سؤالي مشروع، لأن المجتمعات التي تفقد احترامها لفضائها العام تفقد، تدريجيًا، احترامها لقيمها المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى