قصصنظرات مشرقة

مينا و نهر الدانوب

بقلم عفاف عنيبة

هذه قصةٌ مستوحاة من الواقع. مات والدُها تاركًا ثروةً قسّمها بينها و بين ابن أخيه الذي تولّى إدارة المجمّع الصناعي. فكّر في الزواج من ابنة عمّه، لكنّها رفضت عرضه، فظلّ يعطيها حقّها من أرباح المجمّع الصناعي، بينما أكملت هي مشوارها الدراسي الجامعي.
كانت في سنوات الدراسة الأولى تعيش في الحيّ الجامعي، ثم انتقلت إلى شقّة مريحة غير بعيدة عن الجامعة التي عُيّنت فيها أستاذةً مساعدة، في انتظار أن تقدّم رسالة الدكتوراه. و جاء موعد الرسالة فنالتها بدرجة امتياز، فمنحت لنفسها عامًا من الراحة و التفكير في بقيّة مشوارها من دون أن تنقطع عن التدريس مرّتين في الأسبوع.

في تلك الأثناء عُيّن رئيسٌ جديد للمعهد الجامعي الذي كانت تُعلِّم فيه. و بحكم كونها من عائلة ثريّة، طلبت منها عمّتها حضور إحدى المناسبات الاجتماعيّة التي نظّمتها إحدى نبيلات الطبقة المالكة الألمانية. قبلت الدعوة و حضرت بمعيّة خطيبة ابن عمّها المناسبة، و فضّلت هناك عدم الحديث كثيرًا و اكتفت بحضورٍ صامت.

فتقدّمت النبيلة الألمانية إليها رفقة رجلٍ شاب قائلة:
«مينا، يجب أن أعرّفك بهانِس بيلد، فهو قادمٌ جديد إلى مدينتنا، و علينا الترحيب به و احتضانه كي لا يشعر بالوحدة بيننا».
كان موقف الشابة الألمانية «مينا» لطيفًا ؛ رحّبت بالشاب و عرفت بذلك اسمه و لقبه، و أنه وافدٌ جديد جاء لتسلّم منصب مهم في المدينة، و أنه ما يزال متهيّبًا من المحيط. فلاحظ بدوره صمتَها و ارتاح له، فبقي إلى جانبها طوال المناسبة الاجتماعية. ثم استأذنت في الانسحاب، و شكرت صاحبة السهرة على الدعوة، و حيّت عمّتها و بعض معارفها وغادرت.

في الغد، التقت بزميلةٍ لها في أروقة الجامعة، فعلمت منها أن الطاقم التعليمي سيلتقي بالعميد الجديد بعد ساعات قليلة. فتساءلت في نفسها كيف ستكون علاقته بهم؟
في تلك اللحظة جاءها طالبٌ كان له مشكلٌ مزمن مع مكتب العميد، فقرّرت الذهاب إلى كاتبة العميد و الاستفسار عن مشكلة طالبها.
صعدت إلى الطابق الأوّل من المبنى الإداري، و هناك استقبلتها كاتبة العميد أحسن استقبال، و جلست تحدّثها عن وضعية الطالب.

– «لا بدّ من توقيع العميد ليحصل على طلبه»، قالت لها الكاتبة، «و أفضّل أن تتوجّهي مباشرة إلى العميد، فهو الآن في مكتبه، و هذه فرصة لتتعرّفي عليه».
فشعرت مينا ببعض الإحراج، إذ كانت ترغب في سؤال الكاتبة عن مزاج العميد الجديد و شخصيته، لكنها امتنعت عن ذلك. و سمعت صوته و هو يجيب كاتبته يطلب منها إدخالها.

قامت من مقعدها، و بعد طرقة خفيفة على بابه دخلت. فاستقبلها العميد، و كان واقفًا أمام نافذة كبيرة يغمره ضوء النهار، فتجمّدت الشابة في مكانها للحظة. تقدّم هو بضع خطوات ثم توقّف مبتسمًا و هو يبادرها:

«ها هو القدر يجمعنا ثانية… أهلًا بك آنسة مينا».

فحيَّته أحسن تحية و قالت:

– «لم تقل إنك العميد الجديد؟»

– «صحيح. لا أخفي عنكِ أنني شعرتُ إلى جانبك بشيء من الهيبة… فأنتِ امرأة كتومة قوية الشخصية»، ردّ عليها العميد.

طرحت عليه إشكال طالبها، فحلّه بسرعة. و عند اجتماع الطاقم التعليمي لاحقًا، لاحظ كثيرون أنّ العميد كان يعامل الأستاذة مينا معاملة خاصة.

و منذ ذلك اللقاء، توطدت العلاقة بينهما، إلى أن فاجأها العميد يومًا بعرضه الزواج منها. قبلت به زوجًا، و انتشر الخبر سريعًا في أروقة الجامعة، و تهاطلت التهاني على الخطيبين. لكنّ للخطيبة شرطًا لإتمام مراسم الزواج، و قد نفّذه الخطيب بدقّة:

«أريد الزواج على ضفاف نهر الدانوب. لقد ترك لي والدي منزلًا يقع هناك، و فيه أريد أن يتمّ الزواج».

و في يومٍ مشمس، وقفت إلى جانب ابن عمّها الذي سلّمها  إلى زوجها العميد الشاب، و هي ترتدي فستانها الأبيض، و نهر الدانوب يترقرق ضوؤه في أعينهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى