نظرات مشرقةوثائقيهمكم

دوما كنت صريحة مع العدو و سأظل كذلك : وثيقة بتاريخ 19/05/17

بقلم عفاف عنيبة

كنت دوما صريحة و واضحة مع العدو لهذا إعتاد سعادة السفير السيد روبرت فورد صراحتي و عندما قرأ في إحدي مراسلتي له هذه الجملة التي كتبتها : “دولتك الأمريكية عدوتنا نحن المسلمين.”إحترم ما قلته و عندما قرأ ملحق سياسي أمريكي ثم رئيس المصلحة السياسية و الإقتصادية الأمريكي و بعده القائم بالأعمال الأمريكي في سفارة أمريكا بالجزائر تعقيبي علي خطاب الرئيس ترامب في عهدته الأولي عند زيارته في ماي للرياض، أدركوا حجم العداء الذي أكنه شخصيا لإدارتهم الأمريكية. و هذا نص التعقيب المترجم إلي العربية :

الجزائر، 29 ماي 2017

أُعلم القرّاء الكرام أنني أرسلت هذا النص إلى دبلوماسي أمريكي في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر بطلب منه، و قد حرّرتُ هذه القراءة لخطاب فخامة الرئيس الأمريكي السيد دونالد ترامب في الرياض.

« أقف أمامكم ممثلاً للشعب الأمريكي، لأقدّم رسالة صداقةٍ وأمل. »

أيُّ رسالة صداقةٍ و أملٍ هذه، مع عقدٍ لبيع الأسلحة يفوق مئة مليار دولار؟
فالشعوب لا تحتاج إلى الأسلحة بقدر ما تحتاج إلى التنمية و العدالة و الديمقراطية.

« لقد تعهّدتُ بتقوية أقدم صداقات أمريكا، وبناء شراكاتٍ جديدةٍ من أجل السلام. »

أيّ سلامٍ هذا؟ ذلك هو السؤال.
سلام السلاح ؟ لقد رأينا النموذج الكارثي في العراق، حيث وُلد وحش «داعش» نتيجة ما سُمّي «تحرير العراق» على يد الجيش الأمريكي.

« كما وعدتُ بأنّ أمريكا لن تسعى إلى فرض أسلوب حياتنا على الآخرين، بل ستمدّ يدها بروح التعاون و الثقة. »

في الحقيقة، أسلوب حياتنا يختلف جذريًا عن “أسلوب الحياة الأمريكي”. فالقيم الدينية تلعب دورًا محوريًا في حياتنا، و لدينا ميثاقٌ أخلاقي صارم لا يمكن تجاوزه باسم الكونية. فلكلّ بلد خصوصيته الدينية و الاجتماعية و التاريخية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية.

لكن في هذه العبارة جانبٌ مقلق أيضًا:
هل يعني هذا أنّ الرئيس ترامب أعطى الضوء الأخضر لدكتاتوريي العالم العربي ليعملوا بلا عقابٍ و لا أدنى احترامٍ للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟

« رؤيتنا هي رؤية للسلام والأمن والازدهار — في هذه المنطقة وفي العالم. »

أية رؤية ؟ و أيّ سلام؟
حتى الحدّ الأدنى لم يتحقق في فلسطين، لا الآن و لا في المستقبل. القانون السائد في فلسطين هو قانون الأقوى.
و أيّ أمن؟ في وجود جدارٍ يقسم شعبًا واحدًا على أرضه؟
و أيّ ازدهار؟ حين يُترك مئات الملايين من البشر، بمن فيهم الفقراء في دول الخليج، في الهامش؟
مع الظلم و الفساد، و هما آفتان تنخران حقّ الشعوب العربية و الإسلامية في تقرير مصيرها.

« هدفنا هو إقامة تحالفٍ من الأمم التي تشترك في هدف القضاء على التطرف وتوفير مستقبلٍ مشرقٍ لأطفالنا يشرّف الله. »

إنّ التطرف آفةٌ تنتشر حيثما وُجدت الديكتاتورية و القمع و الفقر و الجهل.
و لا يُقضى على التطرف بالسلاح، بل بالاستثمار في التعليم و التنمية الاقتصادية، و احترام كرامة الشعوب و سيادتها و انتماءاتها الثقافية و الدينية، و بترسيخ الديمقراطية من خلال السلطات الثلاث: التنفيذية و التشريعية و القضائية، و دعم عمل مؤسسات المجتمع المدني.

« لكن هذا المستقبل لا يمكن تحقيقه إلا بهزيمة الإرهاب والأيديولوجيا التي تغذيه. »

إنّ التطرف يتغذّى أساسًا من الظلم.

« نحن لا نأتي لنملي على الآخرين كيف يعيشون أو من يكونون أو كيف يعبدون، بل جئنا لنعرض شراكةً قائمةً على المصالح والقيم المشتركة من أجل مستقبلٍ أفضل لنا جميعًا. »

و في هذا السياق، كيف يُفسَّر تصريح السيد ريكس تيلرسون خلال مؤتمره الصحفي مع نظيره السعودي في الرياض، حين وعظ إيران بشأن معاملة مواطنيها بقوله:

« نأمل أيضًا أن يُعيد إليهم حقوقهم في حرية التعبير و التنظيم، ليعيش الإيرانيون الحياة التي يستحقونها. »

أليس في ذلك تناقضٌ صارخ بين خطاب الرئيس ترامب و وزير خارجيته؟

إننا لا نقبل دروسًا من الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان، فلكل بلد خصوصيته و معاييره و معالجته الخاصة. و معايير الأمم المتحدة و المنظمات غير الحكومية لا يمكن تطبيقها على جميع الشعوب بالطريقة نفسها.

أما الحديث عن «تقاسم المصالح و القيم» فيجب أن يُفحَص بدقّة:
أيّ مصالح، و أنتم تضعون مصالح «إسرائيل» فوق كل اعتبار؟
و أيّ قيم؟
القيم التي تفصل الدين عن الدولة لا يمكن أن تجد مكانًا في فضائنا، لأن الإسلام لا ينفصل عن الحقوق السياسية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية.

المطلوب هو تصحيح القراءة المتطرفة للدين، لا محاربة الإسلام نفسه.
كيف نفسّر إذًا استخدام الإدارة الأمريكية الحالية لمصطلح « الإرهاب الإسلامي »؟

الإسلام لا علاقة له بالإرهاب و لا بالقتل، بل إنّ التفسير البشري للنصوص المقدسة هو ما يحتاج إلى مراجعةٍ و تقويم، و هذا من اختصاص العلماء و المدارس الدينية وحدهم، دون أيّ ضغطٍ أو وصاية.

« هذا الاتفاق سيساعد الجيش السعودي على لعب دورٍ أكبر في العمليات الأمنية. »

و لمَ يُستخدَم السلاح الأمريكي في اليمن؟
هل نجح الجيش السعودي في إحلال السلام هناك؟ أبدًا.
فالسلام لا يُبنى بالقصف الجوي، بل بالحوار و الانفتاح، و بإشراك كلّ الأطراف المعنية.
و لا يحقّ لأي جهةٍ — لا المجتمع الدولي و لا الناتو و لا واشنطن — أن تُملي على الشعوب من يجب أن يبقى أو يرحل عن الحكم.
فصناديق الاقتراع و الإرادة الشعبية وحدهما من يقرّران مصير كل رئيسٍ أو حكومة.

« يجب أن يُقاس الثمن الحقيقي لداعش و القاعدة و حزب الله و حماس، لا بعدد القتلى فقط، بل بالأجيال التي ضاعت أحلامها. »

لقد وضع الرئيس ترامب «داعش» و«القاعدة» و«حماس» و«حزب الله» في كفّةٍ واحدة، و هذا عمى لا يُغتفر.
فكلنا نعلم أن حماس حركة سياسية و عسكرية فلسطينية نابعة من إرادة الشعب الفلسطيني، وحزب الله كذلك حركة لبنانية سياسية و مقاومة وُلدت من إرادة الشعب اللبناني.
و مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ليست جريمة، بل حقٌّ و واجبٌ في الدفاع المشروع عن النفس أقرّته الأمم المتحدة.

« الإرهابيون لا يعبدون الله، بل يعبدون الموت. »

أتفق تمامًا مع هذا القول، و لذلك من الضروري التمييز بين الإسلام و الإرهاب، و الكفّ عن استخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامي».

« عندما نرى مشاهد الدمار بعد أعمال الإرهاب، لا نرى أيّ إشارةٍ إلى أن القتلى كانوا يهودًا أو مسيحيين أو شيعة أو سنة. »

في الإسلام لا وجود لمصطلحي «سُنّي» أو «شيعي»؛ نقول ببساطة: «مسلم».

« أمريكا مستعدة للوقوف إلى جانبكم — سعيًا وراء مصالح مشتركة وأمنٍ مشترك. »

و أيّ أمنٍ مشتركٍ هذا، حين تضرب إسرائيل غزة و سوريا بلا عقاب؟
أيّ أمنٍ حين ترفض إسرائيل قرار تقسيم فلسطين الصادر في 29 نوفمبر 1947؟
أيّ أمنٍ حين تُحلّ النزاعات المفتوحة — كاليمن — بالقصف و قتل الأبرياء؟
كيف نبرّر مقتل أكثر من 3100 مدني بسبب «أخطاءٍ قاتلة» من التحالف الدولي ضد داعش؟
و أيّ أمنٍ هذا، والشعوب المعزولة تدفع ثمن الإرهاب والتحالف معًا؟

« لكن على دول الشرق الأوسط ألا تنتظر القوة الأمريكية لتسحق هذا العدو عنها. »

و هذا أمرٌ جوهري: فهزيمة الإرهاب لا تحتاج إلى تحالفٍ عسكريٍّ على شاكلة الناتو، بل إلى عدالةٍ و حريةٍ و مساواةٍ في الفرص.
فالمقاربة الأمنية وحدها لم تحلّ أيّ أزمة في أيّ مكان.

« نحن نتبنى واقعية مبدئية، متجذّرة في القيم المشتركة والمصالح المتبادلة. »

و أيّ قيمٍ مشتركة؟
في أمريكا تُعتبر الحياة مقدّسة، بينما في مصر أُعدم أكثر من ألف إنسانٍ بدمٍ بارد في ميدان رابعة.
التعذيب ممارسةٌ مألوفة في سجون الأنظمة القمعية…
و أيّ مصالحٍ مشتركة؟
الرئيس ترامب حصل على صفقة سلاحٍ تفوق مئة مليار دولار، بينما مصالح شعوب المنطقة في مكانٍ آخر.
فالسلام و الازدهار لا يُصنعان ببيع السلاح و لا بخدمة مصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

« على القادة الدينيين أن يوضحوا بجلاء أن الهمجية لا تجلب مجدًا، و أن التديّن للشر لا يجلب كرامة. من يختَر طريق الإرهاب فحياته فارغة، قصيرة، و ستُدان روحه. »

إنّ مهمة كلّ قائدٍ أو عالمٍ مسلم هي الدعوة إلى الخير و إدانة الشر، و ليس من حقّ الرئيس ترامب أن يُلقي الدروس على علمائنا.
بل العكس، فعلماؤنا ملزمون بمقاومة الظلم و الاضطهاد سلميًا.
فما مصير الشيخ باقر النمر في السعودية ؟ أُعدم.
و ما مصير الشيخ القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟ حوكم لأنه قال «لا» للانقلاب العسكري على الرئيس مرسي في يوليو 2013.

إنّ التصرفات الجائرة و القمعية للحكومات هي المسؤولة أولاً عن ظهور داعش و القاعدة.

« البحرين أيضًا تعمل على الحد من التجنيد و التطرف. »

لقد أشاد الرئيس ترامب بأسوأ أنظمة المنطقة: البحرين، السعودية، الأردن، و الإمارات.
و هي أنظمة استبدادية بامتياز، و الاعتماد عليها لا يشرف الولايات المتحدة، بل يشوّه صورتها.

« إنه نظامٌ مسؤول عن كثيرٍ من عدم الاستقرار في المنطقة، وأعني بذلك إيران. »

بصراحة، هذا ضربٌ من الهذيان.
فالمسؤول الأول عن عدم الاستقرار في المنطقة هو النظام العربي الاستبدادي، و الاحتلال الأمريكي لأفغانستان و العراق، و الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
ينبغي أن نملك الشجاعة لمواجهة هذه الأسباب أولًا، لكنني لا أظن أن الرئيس ترامب يمتلك تلك الشجاعة أو البصيرة.

« لقد ارتكب الأسد جرائم لا توصف. »

و ماذا عن إبادة القبائل الهندية في أمريكا؟
و ماذا عن هيروشيما وناغازاكي؟
و ماذا عن فيتنام؟
و ماذا عن العراق و أفغانستان؟
وماذا عن غزة التي تُقصف بأسلحةٍ محرّمة دوليًا؟
و هذا لا يعني مطلقًا أنني أبرّر جرائم نظام الأسد أو المعارضة السورية.

« إلى أن يكون النظام الإيراني مستعدًا ليكون شريكًا في السلام، على كل الأمم ذات الضمير أن تعمل معًا لعزل إيران. »

بصفتنا جزائريين، لا نسمح لأحد، و خاصة الرئيس ترامب، أن يُملي علينا سياستنا الخارجية.
فإيران شريكٌ استراتيجيٌّ لنا، و نُعوّل على وزنها و دورها في المنطقة و العالم العربي الإسلامي.

ها قد حاولتُ أن أوجز، و أقدّم خلاصة فكري:
إنّ خطاب الرئيس ترامب لم يقدّم شيئًا ملموسًا، و لم يتناول القضايا الحقيقية، و للأسف لم نبلغ بعدُ نهاية معاناتنا.

مع خالص التقدير،
عفاف عنيبة

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى