قراءات لكتبيهمكم

قراءة في كتاب ” عميل إسرائيلي يتكلم” لفيكتور أوسترفسكي

ترجمة إلي العربية الذكاء الإصطناعي

كلير هوي و فيكتور أوستروفسكي، الموساد: عميل من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية يتكلم، باريس، دار Presses de la Cité، 1990، 324 صفحة.

إن كون عالم الاستخبارات عالمًا منحرفًا، ماكرًا، ساخرًا، عنيفًا، لا أخلاقيًّا، و لا يعرف للضمير طريقًا، أمرٌ من البديهيات المعروفة.
و كون الموساد أحد «الجواهر» الأكثر تمثيلًا لهذه الصفات، ليس سرًّا على أحد.
أما أن يقرّر أحد أبرز عملائه النشطين أن يطرح أمام الرأي العام رواية «الإنجازات» (أو بالأحرى الممارسات المريبة) لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، فذلك هو ما يثير الدهشة.
و هذه هي رواية فيكتور أوستروفسكي…

الـ«كاتسا» السابق — و هو كتاب صيغت عباراته و محتواه بحساب دقيق — يُعد أيضًا شهادة كاشفة عن آلةٍ سفكت الكثير من الحبر و الدماء، في وصفٍ يأتي لأول مرة من داخل الجهاز نفسه، و ضدّه.

بمثابة «منشقٍّ أخلاقي»، يؤكد أوستروفسكي أنه أراد نشر هذه الاعترافات بدافع «الحرص على مصلحة إسرائيل»، فيقول:

«إن المبادئ المنحرفة التي واجهتها في تنظيم الموساد، مقرونةً بالطمع، و العطش إلى السلطة، و انعدام أي احترام للحياة البشرية لدى قادته، دفعتني إلى نشر هذه الشهادة. و من حبّي لإسرائيل العادلة و الحرة أروي حياتي دون مواربة، و أتجرأ على مواجهة أولئك الذين حمّلوا أنفسهم مسؤولية تحويل الحلم الصهيوني إلى كابوس.»

في الواقع، بدا أن رواية أوستروفسكي كانت مزعجة للغاية لدولة إسرائيل، إلى حدّ أنها تقدّمت بطلب إلى قاضٍ في نيويورك — حيث نُشر الكتاب — لحظر بيعه في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
و كانت حجّة تل أبيب أن الكتاب «ينشر معلومات شديدة السرّية، قد تعرّض حياة عدد من الأشخاص العاملين لحساب دولة إسرائيل للخطر». و قد حكم القاضي النيويوركي لصالح الجهة المدعية، غير أنّ الحكم — و هو الأول من نوعه في الولايات المتحدة — نُقض في الاستئناف.

كُتب الكتاب بالتعاون مع الصحفية الكندية كلير هوي، و هو أول عمل يكشف أنشطة الموساد من هذه الزاوية، بقلم «خبير» من داخل المؤسسة نفسها. كما أنها المرة الأولى التي يُذكر فيها عملاء بأسمائهم الحقيقية، حتى لا «يُضعف الكتاب مصداقيته بإخفاء الواقع وراء أسماءٍ مستعارة أو هوياتٍ مزيفة».

لقد أُزيح الستار عن قضايا كثيرة كان يُشتبه بأن للموساد يدًا فيها، من غير أن تتوافر أدلة مادية تثبت ذلك.
بل إن الموساد نفسه كان قد أدخل تلقائيّة الاتهامات الموجّهة إليه من خصومه ضمن آليات التلاعب الإعلامي و السياسي التي يستخدمها.

رغم أن أوستروفسكي يكشف أن الموساد، الذي «قوته تكمن في التلاعب»، يسعى إلى دفع خصومه لتوجيه الاتهامات إليه، وهو ما يُعد بحد ذاته بداية لتقويض مصداقية الاتهام نفسه.

تُكرّس الجزأان الأولان من الكتاب لسرد قصة تجنيد المؤلف و تدريبه على يد قادة «الأكاديمية»، التي تُعرف رسميًا باسم «المقر الصيفي لرئيس الوزراء»، لكنها في الواقع مدرسة تدريب الموساد شمال تل أبيب.

في هذه المدرسة، يتعلّم المستقبل ليصبح «كاتسا» القواعد الأساسية لـ التلاعب بـ 35,000 عميل إسرائيلي حول العالم، منهم 20,000 عامل ميداني و15,000 «نائم».

هؤلاء العملاء ليسوا «موظفي أجهزة الاستخبارات» بقدر ما هم «مجندون» مصنَّفون إلى فئتين: «السود» (العرب) و«البيض» (غير العرب).

و تأتي الوقائع المذكورة تدريجيًا لتدعم الفكرة الأساسية أو الرسالة التي يسعى أوستروفسكي إلى إبرازها من البداية إلى النهاية.

أما الـ كاتسا فهو الضابط المسؤول عن العملاء. و بحسب أوستروفسكي، فإن الموساد يوظف نحو خمسة وثلاثين كاتسا فقط، و هم المكلفون بتجنيد العملاء في جميع أنحاء العالم.

الجزء الآخر من الكتاب يقول:

«الموساد، جهاز الاستخبارات الذي كُلّف بمهمة تحديد سلوك قادتنا، قد خان مهمته. فهو يتآمر لمصلحته الخاصة، لخدمة مصالحه الشخصية و الدنيئة، و قاد البلاد إلى طريق مسدود، مع أفق وحيد هو الحرب الشاملة».

و يتكوّن الجزء الثالث من الكتاب من سرد مفصّل لعدة قضايا تم تركيبها أو التلاعب بها بواسطة الموساد خلال العشرين سنة الماضية.

يبرز أوستروفسكي الاعتماد المنهجي على الـ«سايانيم»، و هم «المتطوعون اليهود من الشتات» (ص. 321)، الذين لا يتورع هذا الجهاز عن إشراكهم في العمليات، حتى لو كان ذلك يزيد من احتمالية خلق ارتباط خاطئ بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والجاليات اليهودية في العالم.

هذه القضايا، التي تُروى بالتفصيل، تجعل من رواية أوستروفسكي وثيقة قيّمة للغاية ضمن ما كشف حتى الآن عن أجهزة استخبارات غالبًا ما قدّمتها الصحافة كنموذج تقني من الطراز الأول، و التي لا تقتصر أنشطتها على الصراع العربي‑الإسرائيلي.

و من الأمثلة على ذلك دور الموساد في الحرب الأهلية بسريلانكا. يروي أوستروفسكي أنه في الوقت الذي كان فيه كوماندوز من السيّنغاليين يتدربون في كفار سيركين وأتليت، كان الموساد يُقدّم نفس التدريب للمتمردين التاميل على بعد مئات الأمتار فقط.

كما يكشف عن تفاصيل الهجوم الذي دمر، عام 1978 في سينيه-سور-مير، مكونات لمفاعل نووي عراقي؛ و كيف نُظمت و نُفذت اغتيالات العديد من ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية ؛ و كيف تبادل الموساد رأس صاروخ إكسوسيت مقابل تدريب كوماندوز تشيليين ؛ و ما كان الدور الذي لعبته الأجهزة الإسرائيلية في اغتيال وزير أليندي السابق، أورلاندو ليتلييه، في واشنطن.

يحتل سرد «الهروب الكبير» لفلاحي إثيوبيا مساحة كبيرة في الكتاب، بالإضافة إلى تنظيم مراقبة بعض القادة الفلسطينيين بواسطة حراسهم الشخصيين.

و وفقًا لأوستروفسكي أيضًا، كان الموساد على علم بتفاصيل العملية ضد مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، لكن أدموني، المسؤول عن الأجهزة، قدّم للأمريكيين معلومات «غامضة و عادية إلى درجة أنها كانت كأنهم تلقوا نشرة الطقس».

يلعب الموساد — دورًا أساسيًا — في فضيحة إيران-كونترا (Irangate)، و قد رُوِي ذلك أيضًا بالتفصيل في الكتاب.

و في الملحق، قدّم أوستروفسكي مخططات تنظيمية مفصّلة لبنية الموساد، و كذلك تدفّق المعلومات الرسمي والحقيقي، بالإضافة إلى تقرير عن المعلومات الاستخباراتية الدنماركية و مسرد للمصطلحات و الاختصارات المستخدمة داخل الجهاز.

قد يظن البعض أن الكتاب هو مجرد عمل آخر يهاجم الموساد. و ربما ليس كذلك. موقف المؤلف في الخاتمة يستحق الذكر، حيث يقول:

«الانتفاضة وتدهور القيم الأخلاقية والإنسانية الناتج عنها هو نتيجة مباشرة للغرور المفرط الذي يميز الموساد. هنا بدأت كل الأمور، مع فكرة أن كل شيء مسموح طالما لديك السلطة. (…) هذا البلاء (…) انتشر عبر الحكومة و وصل إلى جميع طبقات المجتمع. العديد من الأصوات تحتج على هذا الانحدار في القيم، لكن لا أحد يسمعها.»

«أتمنى أن أسمع عنك في الصحف.» هكذا يمكن أن يتمنى كاتسا شيئًا أسوأ لزميله كاتسا آخر. لكن، بعد كل شيء، ربما يكون هذا الوسيلة الوحيدة لقلب الموقف.

و بعبارات غامضة، فإن هذا أيضًا طريقة للإشارة إلى أن كتاب أوستروفسكي يُعد جزءًا من تقلبات صراعات السلطة و النزاعات الواقعية التي تهزّ المجتمع الإسرائيلي.

R.E.-K.

الرابط : https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/jq-articles/Hoy%20et%20Ostrovsky%20Mossad%2C%20un%20agent%20des%20services%20secrets%20isra%C3%A9liens%20parle.pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى