تاريخ

معركة حطين أحداث و نتائج

من أرشيف إسلام أون لاين

معركة حطين معركة فاصلة بين الصليبيين و المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وقعت في يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 م بالقرب من قرية المجاودة، بين الناصرة و طبرية في فلسطين، انتصر فيها المسلمون، و وضع فيها الصليبيون أنفسهم في وضع غير مريح إستراتيجيا في داخل طوق من قوات صلاح الدين، و أسفرت عن تحرير مملكة القدس و تحرير معظم الأراضي التي احتلها الصليبيون.

هيأت الأقدار لصلاح الدين الأيوبي أن يسطع في القرن السادس الهجري سطوعا باهرًا، و أن تبرز مواهبه و ملكاته على النحو الذي يثير الإعجاب و التقدير، و أن يتبوأ بأعماله العظيمة مكانا بارزًا بين قادة العالم، و صانعي التاريخ.

و كانت وفاة نور الدين محمود سنة (569هـ = 1174م) نقطة تحوّل في حياة صلاح الدين؛ إذ أصبحت الوحدة الإسلامية التي بناها نور الدين محمود-هذا البطل العظيم- معرّضة للضياع، و لم يكن هناك من يملأ الفراغ الذي خلا بوفاته، فتقدم صلاح الدين ليكمل المسيرة، و يقوّي البناء، و يعيد الوحدة، و كان الطريق شاقا لتحقيق هذا الهدف و إعادة الأمل.

بناء الوحدة الإسلامية
توفي نور الدين محمود، و ترك ولدا صغيرا لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فشب نزاع بين الأمراء على من يقوم بالوصاية على الأمير الصغير، و انفرط عقد الدولة النورية، و كان صلاح الدين في مصر يراقب ما يحدث في الشام عن كثب، ينتظر الفرصة المواتية لتوحيد الجبهة الإسلامية، و لم يطل انتظاره حيث جاءته دعوة من أمراء دمشق لتسلّمها، فهب إليها على الفور، و استقبله أهلها استقبالا حسنا، و تسلم المدينة و قلعتها في سنة (570هـ = 1174م) ثم اتجه إلى حمص فاستولى عليها، ثم عرج على حماة فضمها أيضا إلى دولته، و أصبح على مشارف حلب نفسها، و حاول أن يفتحها لكنها استعصت عليه، بعد أن استنجد قادتها بالصليبيين؛ فتركها و في أعماقه أنه سيأتي إليها مرة أخرى، و لكن تأخرت عودته ثماني سنوات، حتى تمكن من فتحها و ضمها في (18 من صفر 579هـ = 12 من يونيه 1183م) و كان استيلاء صلاح الدين على حلب و ما حولها خطوة هائلة في بناء الجبهة الإسلامية المتحدة، التي امتدت تحت زعامته من جبال طوروس شمالا حتى بلاد النوبة جنوبا.

لم يعد أمام صلاح الدين لاستكمال الوحدة سوى مدينة الموصل، فحاصرها أكثر من مرة، إلى أن تم الصلح، بعد أن سعى إليه والي الموصل “عز الدين مسعود”، قبل أن يكون تابعا لصلاح الدين، و اتفق على ذلك في صفر سنة (582هـ = 1186م).

جبهة الصليبيين
في أثناء الفترة التي عمل فيها صلاح الدين على إحياء الدولة الإسلامية المتحدة ؛ استعدادا لخطة الجهاد التي رسمها لطرد الصليبيين ، ارتبط بعقد هدنة مع هؤلاء الصليبيين مدتها أربع سنوات ؛ حتى يتفرغ تماما لتنظيم دولته و ترتيب أوضاعها الداخلية.

غير أن أرناط حاكم الكرك شاء بحماقته ألا يترك الصليبيين ينعمون بتلك الهدنة ؛ حيث أقدم على عمل طائش نقض الهدنة و أشعل الحرب، فاستولى على قافلة تجارية متجهة من مصر إلى دمشق، و أسر حاميتها و رجالها، و ألقى بهم أسرى في حصن الكرك.

حاول صلاح الدين أن يتذرع بالصبر فبعث إلى أرناط مقبحًا فعله، و تهدده إذا لم يرد أموال القافلة و يطلق سراح الأسرى. و بدلا من أن يستجيب أرناط أساء الرد، و اغتر بقوته، و رد على رسل صلاح الدين بقوله: “قولوا لمحمد يخلصكم”.

و لما حاول ملك بيت المقدس أن يتدارك الموقف أصرّ أرناط على رأيه، و رفض إعادة أموال القافلة و إطلاق الأسرى، فزاد الأمر تعقيدا، و لم يبق أمام صلاح الدين سوى الحرب و القصاص.

مقدمات معركة حطين
عبّأ صلاح الدين قواه و استعد لمنازلة الصليبيين و خوض معركة الجهاد الكبرى التي ظل يعد لها عشر سنوات منتظرا الفرصة المواتية لإقدامه على مثل هذا العمل، و لم تكن سياسة أرناط الرعناء سوى سبب ظاهري لإشعال حماس صلاح الدين، و إعلان الحرب على الصليبيين.

غادرت قوات صلاح الدين التي تجمعت من مصر و حلب و الجزيرة و ديار بكر مدينة دمشق في المحرم (583هـ = مارس 1187م) و اتجهت إلى حصن الكرك فحاصرته و دمرت زروعه، ثم اتجهت إلى الشوبك، ففعلت به مثل ذلك، ثم قصدت بانياس بالقرب من طبرية لمراقبة الموقف.

و في أثناء ذلك تجمعت القوات الصليبية تحت قيادة ملك بيت المقدس في مدينة صفورية، و انضمت إليها قوات ريموند الثالث أمير طرابلس، ناقضا الهدنة التي كانت تربطه بصلاح الدين، مفضلا مناصرة قومه، على الرغم من الخصومة المتأججة بينه و بين ملك بيت المقدس.

كان صلاح الدين يرغب في إجبار الصليبيين على المسير إليه، ليلقاهم وهم متعبون في الوقت الذي يكون هو فيه مدخرًا قواه، وجهد رجاله، ولم يكن من وسيلة لتحقيق هذا سوى مهاجمة طبرية، حيث كانت تحتمي بقلعتها زوجة ريموند الثالث، فثارت ثائرة الصليبيين وعقدوا مجلسًا لبحث الأمر، وافترق الحاضرون إلى فريقين: أحدهما يرى ضرورة الزحف إلى طبرية لضرب صلاح الدين، على حين يرى الفريق الآخر خطورة هذا العمل لصعوبة الطريق وقلة الماء، وكان يتزعم هذا الرأي ريموند الثالث الذي كانت زوجته تحت الحصار، لكن أرناط اتهم ريموند بالجبن والخوف من لقاء المسلمين، وحمل الملك على الاقتناع بضرورة الزحف على طبرية.

موقعة معركة حطين
بدأت القوات الصليبية الزحف في ظروف بالغة الصعوبة في (21 من ربيع الآخر 583هـ = 1 من يوليو 1187م) تلفح وجوهها حرارة الشمس، وتعاني قلة الماء ووعورة الطريق الذي يبلغ طوله نحو 27 كيلومترا، في الوقت الذي كان ينعم فيه صلاح الدين وجنوده بالماء الوفير والظل المديد، مدخرين قواهم لساعة الفصل، وعندما سمع صلاح الدين بشروع الصليبيين في الزحف، تقدم بجنده نحو تسعة كيلومترات، ورابط غربي طبرية عند قرية حطين.

أدرك الصليبيون سطح جبل طبرية المشرف على سهل حطين في (23 من ربيع الآخر 583هـ = 3 من يوليو 1187م) وهي منطقة على شكل هضبة ترتفع عن سطح البحر أكثر من 300 متر، ولها قمتان تشبهان القرنين، وهو ما جعل العرب يطلقون عليها اسم “قرون حطين”.

وقد حرص صلاح الدين على أن يحول بين الصليبيين والوصول إلى الماء في الوقت الذي اشتد فيه ظمؤهم، كما أشعل المسلمون النار في الأعشاب والأشواك التي تغطي الهضبة، وكانت الريح على الصليبيين فحملت حر النار والدخان إليهم، فقضى الصليبيون ليلة سيئة يعانون العطش والإنهاك، وهم يسمعون تكبيرات المسلمين وتهليلهم الذي يقطع سكون الليل، ويهز أرجاء المكان، ويثير الفزع في قلوبهم.

صباح معركة حطين
وعندما أشرقت شمس يوم السبت الموافق (24 من ربيع الآخر 583هـ = 4 من يوليو 1187م) اكتشف الصليبيون أن صلاح الدين استغل ستر الليل ليضرب نطاقا حولهم، وبدأ صلاح الدين هجومه الكاسح، وعملت سيوف جنوده في الصليبيين، فاختلت صفوفهم، وحاولت البقية الباقية أن تحتمي بجبل حطين، فأحاط بهم المسلمون، وكلما تراجعوا إلى قمة الجبل، شدد المسلمون عليهم، حتى بقي منهم ملك بيت المقدس ومعه مائة وخمسون من الفرسان، فسيق إلى خيمة صلاح الدين، ومعه أرناط صاحب حصن الكرك وغيره من أكابر الصليبيين، فاستقبلهم صلاح الدين أحسن استقبال، وأمر لهم بالماء المثلّج، ولم يعط أرناط، فلما شرب ملك بيت المقدس أعطى ما تبقّى منه إلى أرناط، فغضب صلاح الدين وقال: “إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني”، ثم كلمه وذكّره بجرائمه وقرّعه بذنوبه، ثم قام إليه فضرب عنقه، وقال: “كنت نذرت مرتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والأخرى لما نهب القافلة واستولى عليها غدرًا”.

نتائج معركة حطين
لم تكن هزيمة الصليبين في حطين هزيمة طبيعية، وإنما كانت كارثة حلت بهم؛ حيث فقدوا زهرة فرسانهم، وقُتلت منهم أعداد هائلة، ووقع في الأسر مثلها، حتى قيل: إن من شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل.

وغدت فلسطين عقب حطين في متناول قبضة صلاح الدين، فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبية واحدة بعد الأخرى، حتى توج جهوده بتحرير بيت المقدس في (27 من رجب 583هـ = 12 من أكتوبر 1187م) ولهذا الفتح العظيم حديث آخر.

جاء في كتاب عظماء الإسلام للأستاذ محمد سعيد مرسي:
القائد صلاح الدين الأيوبي هو يوسف بن أيوب بن شاذي ، كنيته أبو المظفر، ولقب بالملك الناصر.
ولد سنة 532هـ في تكريت إحدى قرى الأكراد بشمال العراق ،انتقل مع أبيه نجم الدين وعمه أسد الدين شيركوه إلى بعلبك، وعين أبوه واليا عليها.

حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة والحديث والفقه واللغة العربية والطب وأنساب العرب.
أسند إليه السلطان نور الدين محمود رئاسة الشرطة في دمشق، فطهرها من اللصوص والمفسدين، وأعاد الأمن في ربوع الشام .

أرسله نور الدين مع عمه أسد الدين شيركوه قائد جيوش الشام للدفاع عن مصر وطرد الصليبيين منها.
طرد صلاح الدين الصليبيين من مصر وتولى عمه الوزارة، ثم تولاها هو بعد موت عمه.

أعلن صلاح الدين انتهاء الحكم الفاطمي الشيعي بعد موت الخليفة الفاطمي العاضد وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة وقضى على الفتنة الداخلية.
بعد وفاة نور الدين محمود نجح صلاح الدين عام 581هـ في توحيد مصر والشام وشمال العراق واليمن تحت قيادته.

كان الجهاد وتحرير البلاد من الصليبيين هو شغله الشاغل فأمر العلماء والخطباء بالحديث عن الجهاد والتضحية في سبيل الله، وكان يشرف بنفسه على التدريبات، ويشترك مع الجنود في بناء القلاع والحصون.

كان لا يضحك ويقول كيف أضحك والأقصى أسير
عقد هدنة مع الصليبيين بعد الاعتداء حتى يتمكن من إعداد جيشه للمعارك الفاصلة معهم.
خرج من دمشق وعكسر بجيشه في مكان يسمى رأس الماء بالقرب من قرية حطين بطبرية ونادى بالنفير والجهاد فتدفق إليه المجاهدون من كل البلاد الإسلامية وتجمع له الصليبيين ونجح في الاستيلاء على موارد المياه بالمنطقة في صباح يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583هـ وكان اليوم شديد الحرارة فحاصر الصليبيين وأشعل النار في الحشائش اليابسة من تحت أقدام الصليبيين فاشتد عطشهم وقتل منهم 30000 وأسر مثلهم ثم استدعى أرناط الحاكم الذي سب النبي ﷺ واعتدى على الحجاج والقوافل التجارية فقتله.
بعد معركة حطين اتجه صلاح الدين لتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين بعد احتلاله 91 سنة وانتزعه من أيديهم بعد قتال عنيف في ذكرى الإسراء والمعراج عام 583هـ.

ما لبث صلاح الدين أن حرر طبرية وعكا وصيدا وبيروت وغزة ونابلس وعسقلان وبقية المدن من دنس الصليبيين.
عرف عنه التسامح في معاركه مع الأسرى وغيرهم، وكان يعطي الأمان لمن يريده، ويسير رجاله من الشرطة في الشوارع لمنع أي اعتداء على النصارى، وأمر رجاله بالبحث عن ابن امرأة صليبية زعمت أن الجنود خطفوه فأحضروه لها.

اهتم بالإصلاحات في مصر، فنشطت الحركة العلمية في عصره، وأخرج المخطوطات من الخزائن، وأقام سوقا في القصر لبيع الكتب وأنشأ المستشفيات وبنى القلعة فوق جبل المقطم لتكون حصنا لمصر، وأقام في مصر 24 سنة.
كان على بطولته رقيق النفس والقلب، رجل سياسة وحرب، بعيد النظر، متواضعا.
ترك مصر إلى سوريا وأقام فيها 19 سنة بنى فيها مدارس ومستشفيات.
توفى رحمه الله بدمشق عام 589هـ عن 57 عامًا.

أحمد تمام

من مصادر الدراسة:

ابن الأثير: الكامل في التاريخ- دار صادر- بيروت 1399هـ = 1979م.
سعيد بن عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة 1986م.
ستيفن رتسيمان: تاريخ الحروب الصليبية- ترجمة السيد الباز العريني- دار الثقافة- بيروت 1967م.
سهيل زكار: حطين مسيرة التحرير- دار حسان- دمشق 1404هـ = 1984م.

الرابط : https://islamonline.net/archive/%D8%AD%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D9%88%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D8%AC-%D9%81%D9%8A-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%86%D8%B4%D9%88%D8%A8%D9%87%D8%A7-24-%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى