
المشكلة داخلية و قديمة، و قد غذّاها تعنّت و عناد الجناح العسكري. فسكان شمال مالي شعروا بأنهم مهمَّشون من خطط تنمية الدولة، و أرادوا لأنفسهم حكمًا ذاتيًا. و كان على الطرف القائم بالوساطة بين الجانبين أن يصل إلى حلٍّ وسط تكون فيه التنازلات من الجهتين؛ فعلى باماكو القبول بإدارة أهل الشمال لأوضاعهم بعيدًا عن وصايتها، دون الإخلال بوحدة التراب و القرار السياسي.
لكن الدول الكبرى تدخلت فيما لا يعنيها، كما لم تكن الإرادة صادقة من جانب عسكر مالي، فكانت النتيجة تقدّم قوات التمرد المتحالفة بين بعضها ــ أنصار الدين و أنصار الشريعة، المرابطون، جماعة نصرة الإسلام و المسلمين ــ لنعيش اليوم على وقع سوء العلاقة بين الانقلابيين العسكريين و أهم دولة في الجوار، الجزائر، التي من مصلحتها رؤية مالي مستقرّة آمنة مزدهرة؛ فأمن مالي من الأمن القومي الجزائري.
و هذه مناسبة لأعرّج على مسألة تُثار في الإعلام العربي، خاصةً حين يتحدثون عن «عزلة الجزائر الدولية»، و هذا محض كذب. فالجزائر تتمتع بسمعة طيبة لدى العديد من الدول الإفريقية، و أما علاقاتها مع روسيا و الصين و أمريكا فهي علاقات قائمة على مدّ و جزر، و ذلك أمر طبيعي بالنظر إلى سياسات هذه الدول الثلاث تجاه منطقة حسّاسة مثل شمال إفريقيا و الساحل.
لنعد إلى ملف مالي؛ فلا بد من كسر الجمود السائد في باماكو، و ليفهم الماسكون بالسلطة هناك أنه محكومٌ عليهم التوصل إلى صيغة توافق مع كل القوى الخيّرة في مالي للخروج من دائرة الخطر و إبعاد شبح المسلحين. و أهم ما يجب تحقيقه نقطتان: تسليم السلطة إلى المدنيين، و إنصاف أهلهم في شمال مالي.
و لا أدري إن كان فات الآوان أم لا…