
أوردُ لكم أولًا فقرةً من نصّ خطاب الرئيس بوتين الذي قمتُ بترجمته إلى العربية في كتابي “الشرق بعيون الغرب وقضايا أخرى”، منشورات السائحي. و هذه هي الفقرة:
“نحن نشاهد استعمالًا للقوة العسكرية مشوَّهًا و بدون عقبات أو موانع في القضايا الدولية، الأمر الذي أغرق العالم في بحرٍ من النزاعات المتلاحقة. فماذا نتج عن ذلك ؟ لم نستطع حلَّ نزاعٍ واحد بكليّته، و يصبح عندئذٍ الحلّ السياسي مستحيلًا.”
فقرة مأخوذة و مترجمة من نصّ خطاب ألقاه الرئيس بوتين في مؤتمر الأمن بتاريخ 10 فبراير 2007.
إذن نلمسُ حكمةَ فلاديمير بوتين في تلك المرحلة، و هي حكمةٌ تلاشت تمامًا في العقدين الأخيرين بتوريط جيشه في أوكرانيا و دول الساحل و مناطق أخرى، و كأنّه يسير على خطى أمريكا المتعالية التي تتدخل عشوائيًا بحسب حساباتها الضيقة، من فنزويلا إلى غزة.
لقد أصبح الدور الروسي مريبًا: لماذا وقع تكوينُ فيلق فاغنر الذي تخلّص منه لاحقًا بوتين ؟ و لماذا على القوات الروسية أن تخرج من دائرتها الجغرافية لتتوغّل في دولٍ إفريقيةٍ لا يربطها بها تاريخٌ و لا مصالحُ بنيوية ؟ و هل يُعقَل أن تُنافِس أوكرانيا خارج حدودهما ؟ و هل من المنطقي أن نرتكب ما نعيبه في المنافس و العدو ؟
الروس، مثل الغرب، يتحركون وفق خططٍ استراتيجية و خرائطَ يصوغونها لتتحوّل الأرضُ إلى لعبة شطرنج ؛ كلُّ طرفٍ يحرك قطعته، و طبعًا الشعوب المستضعفة هي التي تدفع الثمن.
ثم إنّ التشنيع بالهيمنة الفرنسية الماضية على دول الساحل لا يعفي الروس من لعب الدور نفسه. فكيف يحدد الكرملين دوره ؟ و ما الذي يفهمه من تركيزه على التعاون العسكري و الأمني مع دولٍ بعيدةٍ عنه، لا تهدد وجوده، و لا تنفعه في مقارعة أعدائه التقليديين في الغرب ؟
ماذا كسب بوتين من عسكرة الوجود الروسي خارج حدوده عوضَ المراهنة على التعاون الاقتصادي كما تفعل الصين ؟ ماذا ربح بوتين من خطته الهجومية الحالية مع تململٍ داخلي بالنظر إلى الكلفة المرتفعة لحرب أوكرانيا و السياسة العدوانية الجارية ؟ و هل ضمن الجولات الحالية و القادمة مع أعدائه و منافسيه؟
مع العلم أنّ واشنطن حاليًا لا تنظر إلى روسيا نظرةَ العداء ؛ فقد قامت بتحييدها عبر خطوات ترامب اللينة، و همّها الأكبر هو ترويض الصين. أما أوروبا فلا واشنطن و لا موسكو و لا بيجين تعبأ بها. فلماذا إذن هذه الخطةُ العدوانية من روسيا ؟