
لا مفرّ من الاتجاه جنوبًا. لقد أهدرنا وقتًا طويلًا و إمكاناتٍ ضخمة بسبب تأخرنا في المراهنة على الجنوب و على القارتين الإفريقية و الآسيوية. فلا خيار لنا – إن كنا نريد الحفاظ على استقلالية القرار – إلّا التوجّه نحو الجنوب. و إن كان الجيل الطالع في الجزائر مفتونًا بأمريكا، فهو حالما يصل إلى مراكز القرار في بلده سيفهم أن حلم أمريكا عبارة عن كابوس قرشٍ متوحّش. و ستُثبت له التجربة أن من يعوّل على شريكٍ أمريكي فكأنه قام بعملية انتحار.
مع أمريكا يتنكّر الإنسان لجذوره و لانتمائه، ليلبس ثوبًا أمريكيًا ليس على مقاسه، و يُفرض عليه ذلك فرضًا بحكم تفوّق حضاري كاسح. رهاننا على الجنوب هو رهان عقلاني ينظر إلى الممكنات و الإمكانات و القدرات و الهوية المشتركة. فـتكتّل دول الجنوب يمكّنها من مكانٍ تحت شمس الكون، و مثل هذا التكتل يمكّننا أيضًا من التصدّي للتهديدات الوجودية و رفع مختلف التحديات، و القيام بدورنا – كما أشرتُ في “مدخل إلي حوار الديانات” – فالإسلام و عالم الجنوب بديلٌ مقنع و فعّال لكل الأزمات التي يكابدها الغرب المتغطرس.
و ما نبتغيه عبر التعاون الوثيق هو الذهاب إلى تعاونٍ في الميادين الاستراتيجية، كالتوصل إلى حكمٍ راشد في دولنا بعيدًا عن الاستبداد و الفساد المالي و السياسي، ليصحّ انبعاثنا الحضاري. و من دون تحقيق حدٍّ أدنى من التسيير النزيه لا يمكننا منافسة الغرب و تجاوزه. هناك بصيص أمل في إفريقيا و بعض دول آسيا، فلم لا نوسّع تجارب الحكم الراشد و ننشرها على أوسع نطاق عبر تحرّك جاد و مسؤول للنخب؟
محكومٌ علينا بانتهاج درب الحكم العادل، و إلّا سيَكنُسنا من هم الأقوى…