
” أبتدعت من أجل تبرير هذا العالم ( الإسلامى ) آلة ذات مقطع مزدوج : فقد تمت المحافظة على ذائقة القيم الإسلامية أو أعيد انشاؤها لمواجهة سيطرة الغرب الثقافية عليه. و لكن فى الوقت الذى كان يواجه فيه الإستعمار على هذا النحو كان يحتفظ بمعطيات القابلية للإستعمار ، أو هى كانت تترك دون مساس بها.
فقرة مقتطفة بتصرف من محاضرة ” مشكلة الحضارة ” للمفكر الأستاذ مالك بن نبى رحمه الله ،ألقاها باللغة الفرنسية فى الجزائر العاصمة بتاريخ 9/1/1964[1]
وضع المفكر الراحل مالك بن نبي إصبعه على الجرح: الحفاظ على ذائقة القيم الإسلامية جنبًا إلى جنب مع القابلية للاستدمار. و هذا حالنا إلى يومنا هذا، بل تأزّم الأمر و ازداد سوءًا، إذ لا نزال أسرى ذهنية المغلوب الذي يتبع الغالب.
نعم، عند احتلالنا في عام 1830 كنّا مغلوبين، و لكن بعد أكثر من ستين عامًا على الاستقلال، لماذا حافظنا على القابلية للاستدمار بدل تحويلها إلى قابلية للبناء بذائقتنا الإسلامية وحدها و إعادة تأسيس دولة وُلدت ذات يوم في القرن التاسع عشر ثم وُئدت و داسها الاستدمار الفرنسي؟
لماذا حافظنا على حالة الانبهار بالغرب، و قررنا الأخذ بأسباب نهضته، مع أن السياقين التاريخي و الحضاري يختلفان اختلافًا جوهريًا ؟
لماذا أبقينا على شعور النقص و الدونية في أنفسنا، و بسببه فشلنا في بناء قوة متطورة، متحضّرة، أصيلة، و متوافقة مع ذاتها ؟
لماذا كان تأثير التعليم و الثقافة الفرنسيين على بعض نخبنا أعمق من أصالتهم؟
و لماذا اعتقدنا خطأً أننا من دون الاستعانة بالحضارة الغربية المتغطرسة لن نذهب بعيدًا ؟
كيف تولدت لدينا هذه القناعة الزائفة ؟
حتماً من ذلك الشعور بالمهانة و الدونية. و هنا يُطرح السؤال: ما معنى الحرية التي استُشهد من أجلها أكثر من مليون و نصف مليون جزائري؟
أيّ معنى للحرية إن أبقت على قيودٍ من صنع الاحتلال، رسمت لنا مصيرًا قاتمًا بإيديولوجيات دخيلة، و نزعت عنّا قيمنا الإسلامية بل و حاربتها؟
تلك القيم الدينية التي تحمل في جوهرها روح البعث و طهارة السمو، لماذا استبدلناها تحت شمس الحرية بقِيَم الآخر المستدمر ؟ و هل جسّدناها فعلاً في واقعنا ؟
لقد فشلنا فشلًا عامًا، لا هنا و لا هناك، و النتيجة الطبيعية نعيشها اليوم: انفصام رهيب و تخلّف نحاول جاهدين تجاوزه… بالقابلية للاستدمار.