
الضغوط الممارسة على ليبيا و تونس بشأن المهاجرين غير الشرعيين من الاتحاد الأوروبي تكشف عمق ظاهرة أصبحت في غاية الخطورة. فقد لمسنا منذ أكثر من عقدين نزوح مئات الآلاف، إن لم يكن ملايين، من سكان الساحل و دول إفريقية أخرى كالكونغو و ساحل العاج و تشاد و الكاميرون نحو الشمال. و تُعدّ دول المغرب الكبير بالنسبة للكثيرين دول عبور إلى الضفة المقابلة، و بعضهم يفضّل البقاء في دول العبور لأنه يجد فيها فرصًا للعيش، و قد اعتدنا رؤية أفارقة يعملون في بلادنا في مختلف القطاعات، خاصة الأشغال العمومية، و تمرّ هذه الظاهرة أمام أعيننا دون أن نسأل بجدية: لماذا هم موجودون بيننا؟
الأسباب متعددة، أبرزها انعدام الأمن في مناطقهم، و انعدام الفرص الاقتصادية، و تواضع إمكاناتهم المالية، فيفضّلون الهجرة غير الشرعية بحثًا عن العيش الكريم. و لا أدري إن كانوا يجدون في الدول المضيفة أو دول العبور ما يوفّر لهم فعلًا معيشة كريمة.
إلا أن قدرة دول الشمال على الاستقبال، و سياسات الرفض التي تتبناها التيارات اليمينية القومية، حولت الهجرة غير الشرعية إلى ملفّ ساخن. و أصبح الاتحاد الأوروبي بين المطرقة و السندان، و من الطبيعي أن يُلقي بثقله على دول العبور كي تحجز هؤلاء المهاجرين داخل حدودها. فكان “الحلّ” بالنسبة لدول العبور إعادة المهاجرين إلى دولهم الأصلية عبر الطرد المنهجي.
لكن هل حُلّت الظاهرة ؟ طبعًا لا. فمن المفروض دعم و تشجيع الدول الإفريقية المعنية على وضع سياسات لدمج الشرائح الهشّة و الفقيرة ضمن مخطّطاتها الاقتصادية.
لا بدّ من معالجة شاملة للهجرة غير الشرعية، و وضعها ضمن رؤية تستوعب جميع عواملها و مسبّباتها، لنتمكّن من إيجاد حلول في البلدان الأصلية بعيدًا عن السياسات العقابية. فدول العبور غير قادرة على تحمّل عبء النزوح غير الشرعي أو التحوّل إلى مراكز لتجميع النازحين الأفارقة. و لكي يتحقق ما نرجوه، لا بدّ من حلول محلية تتجنب تفاوت الفرص و التقاتل، و تؤمّن السكان العزّل، و تتبنّى استراتيجية تنموية لا تُقصي أحدًا.