نظرات مشرقةيهمكم

التكفيريون من أين اتوا ؟

بقلم عفاف عنيبة

بغضّ النظر عمّن يُرجِعون ظاهرة التكفير إلى الخوارج، فما يهمّني هو ظهور هذه الجماعات المتطرفة المتشددة حديثًا ؛ إذ اتخذ التكفير في عصرنا مظهر العنف الإجرامي، و هو أمر غريب تمامًا عن الإسلام. و نحن نعلم ضوابط الارتداد عن الدين التي تحددها السلطة العلمية الدينية و القضائية، و لا يتعلق الأمر بعموم المسلمين الذين يدينون بالإسلام دون أن يكون الولاء للسلطة التنفيذية شرطًا لصحة إيمانهم. فمن يرتكز في تكفيره للناس و استباحة أموالهم و حياتهم و أعراضهم على هذا المعطى السقيم يُعد مجرمًا بكل ما تعنيه الكلمة.

لقد ابتُلينا في السبعينيات بجماعات *التكفير و الهجرة* بقيادة شكري مصطفى، التي كفّرت الدولة و المجتمع و المؤسسات اعتمادًا على حجج أقلّ ما يُقال فيها إنها ليست حججًا أصلًا. ثم ظهر تنظيم القاعدة، و هو نتاج التقاء عدّة تيارات في أفغانستان إبّان محاربة الاحتلال الروسي، فحوّل التكفير إلى مشروع يُقاتَل من أجله، و زرع الرعب في بلاد المسلمين و غير المسلمين. و هنا نتوقف: ظهور هذه الجماعات لم يأتِ من فراغ. فأين يكمن الخلل في عالمنا العربي الإسلامي؟

هل يكمن في التربة الدينية و الخطاب الديني الذي يعاني الجمود و المتاجرة به لأغراض دنيوية ؟ أم أنّ التكفير وليد ظروف سياسية و اقتصادية؟ أم هو نتاج زيغ عن تعاليم الإسلام و عدم تطبيق الشريعة الإسلامية؟ أم أنّه ثمرة اختراقات خارجية و عمالة للغرب الصهيوني الصليبي؟ أو غير ذلك؟

ثم إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية الإسلام الحضاري، فهل يتماشى التكفير مع خطاب الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم«   ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]

؟ هل هو وليد حالة يأس انقلبت إلى مفهوم متطرف يناقض مبدأ حرية الاعتقاد الذي أرساه الإسلام؟ كثيرة هي الأسئلة، غير أنّ ظاهرة التكفير – في رأيي المتواضع – تعبّر عن حالة غير سوية ألمّت بالاجتهاد الديني و بمنهج تأويل النصوص، و لا مناص من مراجعتها و معالجتها. فقد تخلّفنا آلاف السنين مع بروز التكفير و تحوله إلى قوة مسلّحة إجرامية احتلّت مناطق واسعة، من “داعش” إلى ما يجري حاليًا في الساحل.

*هذا النص يدخل ضمن سلسلة متفرقة من مقالات تنشر تحت عنوان تجديد رؤيتنا لدور الدين في حياتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى