
منذ سنوات، قبل عملية طوفان الأقصى، قرأتُ على موقع عرب 48 شهادةً لأكاديمية فلسطينية تعيش في الناصرة، و قد شدّتني شهادتها، و سأحاول تلخيصها في السطور التالية:
“وُلدتُ بعد النكبة في عائلة أدركت معنى ضياع هوية فلسطين العربية تحت الاحتلال اليهودي الصهيوني. علّمتني أسرتي من أكون، و عرّفتني بشجرة العائلة التي تمتد عميقًا في التاريخ إلى أحد الصحابة التابعين. و منذ صغري حرص والدَيّ على ترسيخ هويتي كعربية فلسطينية، و علّماني خريطة فلسطين و تاريخها، و كيف كانت ملجأً للسيد المسيح عليه السلام، و كيف عرج رسول الحقّ من المسجد الأقصى المبارك إلى السماوات السبع.
كبرتُ بين أقراني اليهود، و تعلمتُ كيف يقرأون تاريخ فلسطين بمنظورهم الخاص. و كنتُ في كل مرة أقارن بين مراجعنا و مراجعهم، و تعلّمتُ تجنب الدخول في شجارات مع زملائي بسبب التناقض الصارخ بين روايتنا و روايتهم عن أرض الميعاد.
تعلمتُ الصمت و الاجتهاد، و تسلق درجات العلم خطوة خطوة. و عانيتُ —مثل شعب فلسطين كله— من عنصريتهم و استهزائهم بنا و بـ”هزيمتنا”.
رأيتُ أبناء جيل المحتلين يكبرون و يتزاوجون و ينجبون جيلًا ثانيًا و ثالثًا مشبعًا بالرواية الصهيونية، يصرّون على تسمية فلسطين أرض جدّهم إسرائيل. و كثيرون منهم من أصول روسية أو بولندية أو ألمانية أو أمريكية، لكنهم وُلدوا هنا و كبروا هنا، و لا يعرفون شيئًا عن أوطان أجدادهم سوى ما يرونه في العطل حين يزورون أقاربهم هناك.
و رأيتُ يهودًا من كل أصقاع الأرض يأتون للتبرع و تمويل دولتهم، و يدشّنون مراكز و مؤسسات بنوها بأموالهم لخدمة ما يسمّونه شعب الله المختار.
و رأيتُ يهودًا من العالم كله يستوطنون أرض الميعاد غير آبهين بنا —نحن السكان الأصليين— يمرّون علينا و كأننا جماد لا روح لنا و لا حياة.
و عندما ندرس معهم في الجامعات، يتضاحكون على ما يزعمونه من انخفاض معدلات ذكائنا، و يذكروننا في كل مناسبة بأننا أقل منهم في كل شيء.
و مع الوقت بدأنا ننشئ عائلاتٍ منفصلة عن المجتمع اليهودي الصهيوني، فظهرت غيتوهات فلسطينية تسودها الفوضى و السرقة و الجريمة ؛ إذ لم يكن كل أبنائنا قادرين على دخول المدارس أو التحصيل الجيد، و صارت نسب الرسوب لدينا أكبر بكثير مما هي عليه بين الطلاب اليهود الصهاينة.
نعيش اليوم في قاع السلم الاجتماعي، لنا تمثيلٌ صوريٌّ في برلمانهم، و لا نعلم ما الذي ينتظر أبناءنا في المستقبل، فكل يوم يضيّقون علينا الخناق أكثر فأكثر…”
خلاصة
شهادة مهمة لأنها تكشف أن الصراع ليس حدودًا أو معسكرات فقط، بل هو معركة سرديات و نفوس و وعي، و هي الأشد خطورة و الأطول مدى.