قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

من أين تشرق الشمس ؟

بقلم عفاف عنيبة

قال المفكر الراحل رحمه الله الأستاذ مالك بن نبي “عندما تتعطل فاعلية الإنسان يصبح كل شيء حوله عديم الجدوي.”

و من دون تفعيل بطارية الإيمان سنظلّ محركاتٍ معطّلة، و سنتدحرج بموجب ذلك إلى الأسفْل، و لمَ لا إلى القاع ؟ فمشكلة العالم العربي الإسلامي كامنة في لافاعليته الجماعية و الفردية. فلا تناغم بين مختلف الشعوب و الأنظمة، و لا تنسيق حول برنامج نهضوي يشمل الجميع و يُجنّد الجميع و يستدعي يقظة الجميع و وعيهم.

و ما دام الوضع على ما هو عليه، من فقدان للانسجام و غياب لتصوّر جامع لنهضة المسلمين، و استمرار الرهان على هويات متشظّية، فمن أين سنستمدّ فعاليتنا و قد عزلنا الإيمان الحيّ المحرّك ؟ و جمّدنا طاقة الإيمان التي تمنحنا هدفًا و ترسم لنا الدرب المؤدّي إليه؟

إن لم ندرك بعدُ فائدة الإيمان التوحيدي المؤثّر، و الركيزة التي ينبني عليها بنيان الحضارة، فكيف سنستردّ عافيتنا الحضارية ؟

أسئلة محرجة لجيلٍ و أجيالٍ لا تفهم لماذا نحبس أنفاسها و نراقب أفعالها و نحصرها في هامشٍ ضيّق يحارب الأفكار، أو يطالبها بأن تكون نسخة عن السياق الفكري الغربي، و إلا فهي غير مقبولة. فكيف ننطلق من تربتنا، وفق توقيت يعمل لصالحنا لا ضدّنا، فنُنشئ الإنسان المؤثّر لا المتأثّر، الإنسان الذي يمزج بين عالمين: عالم الروح و عالم المادة، في صورة متكاملة نحتاجها جميعًا على كوكبنا، لنحقّق عبوديتنا لله عن بصيرة لا عن عمى ؟

فمن الطبيعي أن يعيش فاقدُ الفاعلية حالةَ اللامعنى و اللاجدوى، و حينها سيعرف شكلًا من أشكال الموت البطيء، أو يحسم أمره بالانتحار، أو يعيش حياة فيزيائية محضة لا مغزى لها. فتغدو حياته مثل مماته سواءً، كأنه لم يُخلق، كأنه لم يوجد أصلًا. مع العلم أنّ وجوده ذاته يكلّفه سعيًا إلى معنى ما، إلى هدف ما.
و كيف يتحقق له ذلك و هو ابن بيئة راكدة ؟ و كيف له أن يُبدع في محيط ينظر بعين الحذر و الاستنكار إلى كل ما هو جديد من أفكار و تصورات و إمكانات و تجارب؟
فالإنسان الذي يُحاصر في دائرة التكرار، و يُمنع من ممارسة حقّه في السؤال و الاكتشاف، يصبح بالضرورة عاجزًا عن تجاوز ذاته، لأنه لا يجد فضاءً يسمح له بتوليد فكرة، و لا بيئة تعترف بمشروعية الفعل.
و حين تُصادر الفكرة، تُصادر الفاعلية، و حين تُقتل المبادرة، يُقتل التاريخ نفسه. فالحضارة ليست مباني و لا مظاهر براقة، بل هي إنسان حيّ يمتلك القدرة على الإضافة، على التغيير، على أن يصوغ مستقبله بدافع داخلي لا بضغط خارجي.
و ما لم ننتقل من مرحلة الخوف من الجديد إلى مرحلة احتضان الممكنات، سنظل ندور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج العجز، و تُعمّق فقدان المعنى. فالفكرة في جوهرها وعدٌ بالمستقبل، و من يرفض الفكرة يرفض المستقبل، و من يرفض المستقبل يحكم على نفسه و سياقه بالجمود و الانطفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى