قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

“القوة العسكرية لا تصنع حضارة و لا الثروة”

بقلم عفاف عنيبة

قال المفكر الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله : “لا تنهض الحضارات بالقوة العسكرية و لا بالثروة، بل بفكرة عليا تمنح الإنسان معني لحركته.”

و انطلاقًا من هذا الاستنتاج، إذا أعدنا النظر فيما حولنا محليًا و إقليميًا و دوليًا، سنلاحظ جملة من الملاحظات، أوردها على التوالي:

1. بنت الصين حضارتها أولًا على اقتصادها، ثم دعمت قوتها بقوة عسكرية.
2. يثبت تاريخ الولايات المتحدة أن النهضة الصناعية سبقت القوة العسكرية، و أن ثروة أمريكا جاءت نتيجةً للنهضة الاقتصادية، و لم تكن سابقةً لها.
3. حضارة الغرب، و أوروبا خصوصًا، انطلقت من هاجس «العدو العثماني»، فأعطاها ذلك الهاجس الدافع للنهوض و بناء نفسها حضاريًا، وصولًا في القرن العشرين إلى تشكيل حلف الأطلسي.

إذن، الحضارة منظومة من الأفكار ؛ و عند تفاعل هذه الأفكار و تداخلها تتولد الحضارة. و من دون ثروة الأفكار و تلاقحها لن تقوم قائمة لأي نهضة. و من راهن على القوة العسكرية وحدها لن تجديه نفعا و لن تأخذه إلي مصاف الدول المتحضرة، فالأمثلة في عالمنا العربي كثيرة ؛ فمصر التي يديرها العسكر، رغم امتلاكها جيشًا ضخمًا و مدججًا بالسلاح، لم تصنع حضارة، بل أصبحت نموذجًا للفساد و الاستبداد.

لهذا، فإن دولًا عريقة تاريخيًا و حضاريًا مثل الصين و الهند تبنّت أولًا المنهج الاقتصادي للتطور، و لم تركّز على تراكم السلاح أو الثروة المجردة، بل رأت في التقدم الصناعي سبيلًا إلى زيادة الثروة و المعرفة. و هذا ما لم يتحقق لنا بعد، و السبب معروف عند الجميع: الفساد، و غياب الحكم الرشيد، و الاستبداد السياسي و العسكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى