إسلامياتنظرات مشرقةيهمكم

حوار مع مهاجرة مسلمة

بقلم عفاف عنيبة

عندما منعت وزارة التربية الفرنسية العَباءة لتلميذات المدارس المسلمات، اتصلت بي قريبتي المهاجرة و طلبت مني الحديث مع صديقة لها مهاجرة أيضًا. قالت لي: «حاولي أن تشرحي لها معنى الإسلام، لأنها اتخذت طريقًا خطيرًا.»
تعجبتُ من طلبها، و بدأت الحديث مع المهاجرة المسلمة، و كان أول ما تحدّثنا عنه هو مسألة العَباءة.

قالت لي:
ــ «أترين كم يكرهون الإسلام؟ لقد منعوا العَباءة، و ابنتي محجّبة، و ديننا يلزمنا بالحجاب!»*
فأجبتها:
ــ معذرة، لكن الحجاب ليس هو العَباءة، و من حقّ الدولة الفرنسية أن تمنع أي لباس طويل يُعدّ ــ في نظرها ــ مخالِفًا لهويتها العلمانية. ففرنسا دولة علمانية تعمل للحفاظ على هويتها السياسية و التاريخية.

استنكرت قائلة:
ــ «أهذا كلام مسلمة؟! حرية المعتقد مكفولة في أوروبا. فلماذا تحرمنا فرنسا منها؟ و كيف تدافعين عن هذا؟»

فقلت لها:
ــ حرية المعتقد كما يفهمها الغرب ليست حرية المعتقد كما يقرّها الإسلام. أنتم تريدون العيش وفق أخلاق الإسلام، و هذا حقكم، لكن مكانه الطبيعي هو في بلدانكم الأصلية. أما في الغرب فالإسلام يُقدَّم ــ في الإعلام و السرديات السياسية ــ كمرادف للإرهاب، و التخلف، و العنف. و أي محاولة منكم لتغيير هذا التصوّر لن تنجح، لأن المختلف دينيًّا مصنَّف مسبقًا في خانة الريبة.

قاطعتني:- ول ماذا يتقبلون اليهود و تدينهم ؟

فأجبتها:
ــ اليهود في فرنسا أقلية نافذة، و غالبيتهم علمانيون، أما المتدينون منهم فتمظهُرهم محدود. بينما المسلمون لافتون للنظر بالحجاب و القميص و اللحية و أنماطٍ سلوكية تصطدم جذريًا مع الهوية اللادينية الفرنسية.

قالت:
ــ «لكن كمسلمين، لنا الحق في أن نعيش وفق ديننا، و مهمتنا أن نسلم فرنسا.»
فأجبتها بحزم:
ــ لا وجود لأي نصّ قرآني أو حديث نبوي يتنبّأ بدخول فرنسا في الإسلام. هذا وهمٌ روّج له بعض المتطرفين. أما إن أردتم العيش وفق الشريعة، فلا يكون ذلك إلا بالعودة إلى بلدانكم الأصلية. نحن في أوطاننا لم نكن لنسمح للغربيين بالهجرة إلينا بالملايين لفرض عاداتهم النصرانية أو اللادينية علينا ؛ فما لا نقبله على أنفسنا، هم أيضًا لا يقبلونه على أنفسهم.

احتجّت قائلة:
ــ «لكن العودة إلى بلادنا تضييق على التزامنا؛ فالنقاب ممنوع في بلدي! كيف أعيش بلا نقاب و لا عدل؟»
فقلت لها:
ــ النقاب ليس فرضًا في الإسلام ؛ الفرض هو الحجاب. و ليس هناك إجماع بين المذاهب الأربعة على إلزامية النقاب. ثم إن بعض المذاهب تحدّثت عنه فقط إذا كان جمال المرأة بالغًا حدّ الفتنة. أما أن ترتديه امرأة عادية لا يثير جمالها أي افتتان، فهذا غير مفهوم شرعًا. ثم أي عدل تتحدّثين عنه في الغرب و هو عدل لا يستند إلى أحكام الشريعة؟!

قالت:
ــ «صحيح، لكن في أوروبا لا توجد طبقة سياسية فاسدة تمنع أبناء البلد من التقدم، و فرنسا فضاء مفتوح للكفاءة.»
فأجبتها:
ــ أنت مخطئة. فرنسا مشهورة بطبقتها السياسية الفاسدة، و أعطيكِ مثالًا واحدًا: القضايا الجنائية المرتبطة بالرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي. أما الفضاء المفتوح، فهو مفتوح أساسًا لأبناء البلد، لا للمهاجرين. و قد علمتُ من قريبتي أن احتمالًا كبيرًا قائمًا بعدم تجديد إقامتك. أليس كذلك؟
ــ «صحيح… إنهم يضيّقون على كل من يمارس دينه علنًا، و صرتُ أخشى على مستقبلنا. لماذا لا نجد الخير لا في بلادنا و لا في أوروبا؟»
فقلت لها:
ــ السبب بسيط: لأنكم لا تمتلكون ثقافة المواطنة، و لأن تأويلكم للدين صارم و جامد في نظر الأوروبيين. و فرنسا لا تريد ذلك، و يحق لها ذلك. الإسلام دين رحمة و حشمة و فضيلة، لا دين مظاهر. الحجاب ليس لباسًا فحسب ؛ بل سلوك و فلسفة حياة. و من المستحيل تطبيق هذه الفلسفة كاملة في فرنسا العلمانية اللادينية.

الخلاصة :

1- الهوية الإسلامية التي تعطي للدين حضورًا تشريعيًا و سلوكيًا.
2- و الهوية العلمانية الفرنسية التي تعتبر الدين مسألة فردية لا تتعدى الجسد و البيت.

3-سوء فهم المهاجرين لطبيعة العلمانية الفرنسية : الكثير يظن أن «حرية المعتقد» تعني حرية التعبير الديني المطلق، بينما فرنسا تميز بين الحرية الفردية و بين الحياد الإجباري في المؤسسات العامة.

4-فكرة أسلمة فرنسا يروج لها خطابٌ متطرف و ليست جزءًا من الفقه الإسلامي و لا من الواقع الديموغرافي.

5- الإشكال الحقيقي الذي يعاني منه المهاجرين المسلمين في الغرب : الرغبة في الجمع بين نموذجين متعارضين بنيويًا،أن يعيشوا في بيئة لادينية، مع المحافظة على نمط عيش ديني كامل – و هو ما لا يتحقق منطقيًا و لا قانونيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى