
تناولتُ هذا الموضوع في مقالة سابقة في موقع “نظرات مشرقة” القديم، لكنني سأعود إليه اليوم لأعرض وجهة نظري، مع الاستئناس بوجهة نظر غير مألوفة قرأتها قبل سنوات في مجلة غربية.
عندما انطلقت حركة “أنا أيضًا” (MeToo)لكشف حجم الابتزاز الجنسي الذي يمارسه بعض الذكور على الإناث في أماكن العمل و في مواقع عديدة – بما فيها الأسرة – لاحظتُ أن الظاهرة لم تنتقل إلى العالم العربي الإسلامي. ففي الجزائر، يبقى الابتزاز الجنسي الذي تتعرض له المرأة الجزائرية واقعًا ملموسًا لا خيالًا و لا افتراء، غير أن المنطق السائد هو منطق Omerta أي عُرف الصمت. فما يزال الاغتصاب و العلاقة الجنسية القهرية التي يرتكبها الجزائري ضد الجزائرية تُحمِّلُ الضحيةَ المسؤولية عمّا وقع لها، و يُشَنَّع عليها باعتبارها الملامة على فقدان عُذريتها. و سياسة اللاعقاب مستمرة، و الجريمة منتشرة و مسكوت عنها لأسباب عديدة. لقد وصل الانحطاط بالمسلمين إلى درجة صار فيها الحق باطلًا، و الباطل حقًا.
القوانين القائمة ليست كافية، كما أنها لا تتعرض صراحةً للعلاقة الجنسية المفروضة بالقهر. و حتى القوانين، حين تُوجَد، لا تكفي وحدها، خصوصًا عندما يكون المجتمع نفسه هو الحَكَمُ و القاضي، فيُعاقِب الضحية و يُبرّر للمجرم فعلته الشنيعة. و من الصعب جدًا معالجة جريمة العلاقة الجنسية التي تُفرض بالقوة. و لديّ رأي أفضل الاحتفاظ به لنفسي، لأنه رأي لا يصلح إلا في مجتمع يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، مجتمع يُقلّل إلى الحدّ الأدنى من الاختلاط حتى داخل الأسرة نفسها.
و الآن أعرض شهادة المواطن الغربي فردريك روني حول حركة “أنا أيضًا”:
“لا أريد لزوجتي المستقبلية أن تكون ضحية ابتزاز جنسي، و أحترم كيان المرأة ؛ فمبادئي و قيمي ترفض علاقة تُقام تحت تهديد طرفٍ لآخر. لكن لديّ تحفظات على تناول الإعلام لحركة أنا أيضًا، و هي التالية:
1 – اتهام امرأة لرجلٍ عملت معه أو كان من أسرتها بعد سنوات طويلة اتهامٌ بلا دليل مادي؛ فما هو إثبات تهمتها سوى كلامها؟
2 – كيف نتابع رجلًا قضائيًا في قضية اغتصاب بلا شهود و لا أدلة مادية قاطعة ؟
3 – لماذا يُشَهَّر بالرجل قبل أن تثبت العدالةُ إدانته، خصوصًا إنْ أنكر التهمة ؟ حياة الرجل لها حرمة مثل حياة المرأة، و التشهير قد يدمّر حياته بالكامل.
4 – المرأة موجودة في كل مكان و تعمل في كل المهن، و نريد لها فضاءً مهنيًا خاليًا من التحرش و الابتزاز، لكن أتساءل: أليست المرأة مسؤولة أيضًا بقدرٍ ما في بعض الحالات؟ فالعلاقة الجنسية تتم غالبًا بين أربعة جدران بعيدًا عن الأعين، فلماذا سمحت لنفسها بالخلوة مع هذا الشخص ؟ ثم إننا – في البيئة المهنية – نتفطن عادةً للعناصر الفاسدة فنحتاط منهم.
لستُ ضدّ المساواة، لكن نسبة التحرش ارتفعت مع المساواة و دخول المرأة مجالات كانت حكرًا على الرجال. و أذكر حادثة رواها لي والدي الذي كان يعمل في مهنة تتطلب جهدًا بدنيًا : في اليوم الذي التحقت امرأة بفريق عمله، كادت تقع كارثة حين تصرّفت بطريقة أفقدت أحد زملائها صوابه فهددها بالاغتصاب، فتدخل والدي فورًا لفضّ الاشتباك.
لا أقول إنه يجب على المرأة دفع ضريبة المساواة، لكنني أريد معالجة حيادية لظاهرة “أنا أيضًا”. فاتهام رجل بجريمة علاقة قهرية لا ينطبق على كل متهم ؛ فهناك أبرياء. و على المجالس النيابية و المجتمع المدني أن يتجنّدوا لتوعية الجمهور، فـ”الوقاية خير من العلاج”.
كنت أتمنى للمرأة – و هي أجمل مخلوق – أن تعيش في أمن بيننا بوصفنا مجتمعات متحضرة، لكن الطبيعة الإنسانية ليست سوية عند الجميع للأسف.”