سياسةنظرات مشرقةيهمكم

تركيا و هامش التحرك لصالح فلسطين الضيق جدا

بقلم عفاف عنيبة

تسعى تركيا في ظلّ حكم حزب العدالة والتنمية إلى تحقيق تأثير استراتيجي في نظام الشرق الأوسط عبر دعم فلسطين، رغبةً منها في استعادة نفوذها في القضايا المصيرية للعالم العربي و الإسلامي. و ما سأكتبه في هذه السطور ليس الغرض منه النيل من دور تركيا الطبيعي في جغرافيا قريبة منها و تحتويها، بل هو قراءة هادئة لموقفها من ملف فلسطين تحديدًا.

من المعلوم أن الضغوط الدولية و الإقليمية، سواء من الغرب أو من الكيان الصهيوني، تجعل الموقف التركي في موقع بالغ الحساسية إذا أرادت أنقرة الحفاظ على علاقات طبيعية مع القوى الكبرى. و اعتماد تركيا خطاب حلّ الدولتين في فلسطين لا معنى له في ظلّ إصرار الكيان الصهيوني على عدم التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين، و قد بلغ اليوم مرحلة احتلال أكثر من 55٪ من غزة، و يسعى إلى التوسّع في محيطه الجغرافي من سوريا إلى لبنان.

إن هامش الحركة لدى الدولة التركية ضيّق للغاية. فحتى تعاونها الاستراتيجي مع النظام الجديد في سوريا جاء بعد تقديم ضمانات للإدارة الأمريكية و الكيان الصهيوني. و نرى أن قدر التحرك التركي محكوم بتحالفات عبر الأطلسي تحدّ كثيرًا من دورها في فلسطين و في بلاد الشام عمومًا.

و طوال سنتين من الإبادة الجماعية المستمرة في غزة لم يُقدم الرئيس أردوغان على تجميد شامل للعلاقات مع الكيان الصهيوني. و حتى حين أوقفت أنقرة مؤخرًا التعاون الاقتصادي مع الاحتلال، فإن ذلك اقتصر على القطاع العمومي، بينما حافظ القطاع الخاص التركي على التبادل التجاري و الاقتصادي مع الكيان الغاصب. كما أن التطبيع بين أنقرة و تل أبيب قديم، بل أقدم من التطبيع بين القاهرة و تل أبيب. و قد أظهرت سنوات حكم حزب العدالة و التنمية أن إرث العسكر التركي العلماني، المقرّ للتطبيع، إرث ثقيل لا يستطيع الرئيس أردوغان تجاوزه بسهولة.

إن الخطاب السياسي و الديني التركي في ملف فلسطين قائم على جذب التأييد الشعبي، لكنه ـ بصراحة ـ غير كافٍ لإحداث تغيير ملموس على الأرض لصالح القضية. و لا ننكر الدعم التركي لفلسطين على المستويات الدبلوماسية و الإعلامية و الشعبية، غير أن هذا الدور يخضع لحسابات جيو-سياسية و اقتصادية دقيقة، مما يجعل الدعم التركي في النهاية دعمًا رمزيًا لا يفضي إلى مشروع تغيير واقعي على أرض الصراع.

*سنقدم مزيد من المقالات في ملف تركيا و فلسطين إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى