
«أهم ما تعتمده السياسة الخارجية التركية في ملف فلسطين هو رغبة أنقرة في الحفاظ على شعبيتها الداخلية و العربية و الإسلامية، مع المراهنة على استراتيجية النفوذ الإقليمي دون التدخل العسكري، و في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا غربية و صهيونية للحفاظ على علاقاتها مع تل أبيب. فهل تنسجم هذه العناصر المذكورة أعلاه مع بعضها ؟ الجواب: لا.
لماذا ؟ لأن الوضع في فلسطين يتطلب مواجهة عسكرية، بينما رهـان أنقرة على المفاوضات المباشرة بين الطرفين الصهيوني و الفلسطيني أثبت خلال ثلاثين سنة عدم جدواه ؛ بل اتخذت تل أبيب ذريعة المفاوضات للتوسع عبر المستوطنات و لإحكام قبضتها على غزة و الضفة الغربية. لهذا فإن دور الوسيط الذي تسعى إليه تركيا لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات لن يُجدي ما دامت تل أبيب عازمة على عدم منح أي فرصة لحل الدولتين.
فعلى ماذا تراهن تركيا إذن ؟ إذا كانت حريصة على شعبيتها في ملف فلسطين، فإن صناع القرار السياسي في أنقرة يعلمون بأن عضويتهم في الحلف الأطلسي لن تسمح لهم بأي تدخل عسكري في فلسطين ؛ و لن تسمح الإدارة الأمريكية باندلاع حرب بين عضوين في الحلف، و سيتكتل الغرب ضد تركيا حينها، دون أن ننسى وزن المعارضة السياسية القومية العلمانية الرافضة لدور تركي أكبر في ملف فلسطين.
و الملاحظ أن جميع أنظمة الحكم في العالم العربي و الإسلامي، من الرياض إلى أنقرة ــ باستثناء إيران ــ يرفضون الخيار السليم الوحيد، و هو المواجهة المباشرة مع تل أبيب. و هذا الموقف يضعف تمامًا السياسة الخارجية التركية ؛ فحتى لو قرر الرئيس أردوغان أو من يخلفه مستقبلًا الحد من العلاقات الاقتصادية مع تل أبيب، فإن الخطوة الأهم لن يُقدم عليها، و هي قطع العلاقات بين الكيان الغاصب وتركيا.