
عرّف مالك بن نبي رحمه الله الثقافة بأنها ــ إضافة إلى كونها معرفة ــ «مجموعٌ من الصفات الخُلُقية و القيم الاجتماعية». و سأحاول توضيح هذا التعريف استنادًا إلى تجربتي الشخصية التي خُضتها في عدّة دول.
أبدأ من إندونيسيا ؛ فالثقافة هناك تُولِي أهمية كبيرة لكمِّ المعارف و نوعيتها بما يرتقي بالمجتمع الإندونيسي، لكنها تضيف إلى التجارب المعرفية رصيدًا من الصفات الخُلُقية و السلوك الاجتماعي. أذكر كيف استقبلت مدبّرة بيتِنا الإندونيسية خبر وفاة ابنها الذي مات بمرض الملاريا ؛ فقد كانت ردّة فعلها هادئة مُحتسِبة، راضية بقضاء الله و قدره. لم تغِب عنّا طويلًا، بل ذهبت إلى مسقط رأسها لحضور جنازة ابنها و مواساة أبنائها الآخرين في فقدانهم لأخيهم، وفق منظورٍ عقائدي يرى أن «لله ما أعطي و لله ما أخذ». فمثل هذه القيمة الاجتماعية، التي تجعل المخلوق يتقبّل حدثًا مؤلمًا بهذه السكينة و الاحتساب، تعود أساسًا إلى ثقافة إندونيسية راهنت على الإيمان التوحيدي الذي يمنح الإنسان قوة نفسية و معنوية في مواجهة فواجع الحياة.
و في تجربة أخرى بأمريكا، جلستُ مع عمّ المناضلة راشيل كوري التي قتلها الصهاينة في رفح؛ فقد ماتت دفاعًا عن حقّ الفلسطينيين في بناء مساكن لهم و رفضًا لهدمها من العدوّ الصهيوني. قال لي عمّها، السيّد هارلان كوري ــ و قد تُوفّي منذ عامين: «ذهبت راشيل إلى غزة، و تحديدًا إلى رفح، مع مناضلين سلميين آخرين، رغبةً منها في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في عيش كريم على أرضهم. لقد علّم أخي ابنته أن تُشارك الآخرين همومهم و آلامهم، و البذرة التي غرسها فيها نمت و أثمرت، فدفعتها إلى التضامن مع شعب فلسطين قدر ما تستطيع، حتى قُتلت هناك، و دفعَت ثمنًا غاليًا لوقوفها مع المظلومين».
و في بلادي، و من خلال تجربة مع مكتب التنمية البشرية للسيدة نوال حفيظ، أذكر ما قالته لي في بداية تعاملي المهني معها: «كان بإمكاني العمل في أوروبا، فعملي في منظمات دولية أتاح لي ذلك، لكنني فضّلت البقاء في الجزائر و خدمة أهلي و شعبي أولًا. ما أعطاني إياه بلدي يقتضي أن أخدمه من جهتي عبر هذا المشروع الذي يتيح للعديد من الأفراد و الجماعات و الجمعيات الاستفادة من خبرتنا و برامجنا التكوينية».
أظن أنّني قدّمت نماذج حيّة توضّح ما يجب أن يكون عليه مفهومنا للثقافة…
و هكذا بين مالك بن نبي ان الثقافة ليست ترفًا معرفيًا، بل هي الشرط الأخلاقي لتكوين الإنسان القادر على حمل مشروع حضاري.