الاستعمار و قطيعة التطور الحضاري في العالم الإسلامي
بقلم عفاف عنيبة

ادّعى رئيسُ وزراء بريطانيا الأسبق بوريس جونسون أن «العيب في المسلمين» – على حدّ تعبيره – يتمثل في أنّ علماء الدين رفضوا الطابعة الألمانية عند اختراعها، بدعوى أنّ كلام الله المقدّس لا يُطبع عبر آلة. و زعم في كتابه *حلم روما* أنّ هناك شيئًا في الإسلام يُعيق عمليات التنمية.
غير أنّ ما تجاهله بوريس جونسون و أمثاله في العالم الغربي هو أنّ الغرب الاستعماري يتحمّل مسؤولية تاريخية و سياسية و اقتصادية عن إيقاف نسق التطور الطبيعي للمسلمين. فالحروب الصليبية، ثم الاحتلال العسكري المباشر، أسهما بدرجة كبيرة في وضع حدّ لنموّ المسلمين وفق منظومتهم العقائدية و الفكرية و القيمية. و مع توقّف الصيرورة الحضارية للعالم الإسلامي تعطّل العقل المسلم، و تكلّست معه أدوات المعرفة و الفكر و النقد، فدخلنا نفقًا لم نخرج منه بعد.
فالانحطاط الذي عرفناه قبل دخول القوات الغازية لم يكن ليطول ؛ فكل حضارة تعرف صعودًا و هبوطًا، و من الطبيعي أن يمرّ منحناها بمنعطفات، غير أنّ زخم الحضارة و قدرة العقل المسلم على التجدد لا تختفي. لكنّ الغزو الاستعماري الغربي كان ذا أثرٍ مدمّر ؛ إذ جاء الغازون بنية مبيّتة لحرماننا من أسباب القوة و التطور، و تحويلنا إلى تابعين متخلفين نستمدّ منهم دائمًا أسباب وجودنا.
و قد أدّى ذلك إلى قطيعة بين نسقنا التاريخي الحضاري و بين مرحلة ما بعد الاحتلال، و مع هيمنة الطابع المادي على الحضارة الصاعدة التي غزتنا، انفصل المسلم عن هويته التاريخية، و تأثّر بالغالب تأثيرًا سلبيًا، حتى أصبح الإنسان المسلم اليوم كيانًا غير واضح المعالم.