
كنت أطرح على نفسي سؤالاً متكرراً: كيف يمكن للعالم أن يصدّق ادعاء إسرائيل بأن “تهدئة” ما تزال قائمة؟
لقد أقنعت سلطات الاحتلال العالم بأن حمّام الدم في غزة قد توقّف، بينما تُمحى عائلاتٌ كاملة من السجل المدني في صمتٍ مطبق. العالم صامت — ربما فقط لأن شيئاً ما اسمه “تهدئة” قد أُعلن؟
ما لا يراه العالم هو أنّ الجيش الإسرائيلي يوسّع سيطرته داخل غزة يوماً بعد يوم. يتقدّم ببطء، يبتلع شارعاً، ثم حياً، ثم منطقة كاملة — يعيد رسم الخريطة بصمت بينما يحتفي العالم بهدوءٍ مصطنع. الحرب لم تتوقّف ؛ لقد غيّرت شكلها فقط: من القصف إلى التوغّل الهادئ، و من الغارات إلى احتلالٍ زاحف.
و لا يرى العالم أيضاً كيف تُغرق غزة بوهمٍ خادع من “العودة إلى الحياة”: السماح بدخول حلويات و شوكولاتة و إلكترونيات جديدة، و كأن الناس هنا يبحثون عن الرفاهية — بينما تُمنع الأساسيات كالحوم و البيض و الدواء.
تخيّل أن أبسط ضروريات الحياة أصبحت كنوزاً نادرة، وأنه عندما تظهر تُباع بأسعارٍ فاحشة. التجّار يرفعون أسعار الأساسيات كالدواء واللحوم إلى مستوياتٍ لا تُحتمل بسبب ندرة المعروض.
كيف يمكن للاحتلال أن يخدع العالم بهذه السهولة؟ وكيف يمكن للعالم أن يبتلع هذه الكذبة بينما يتوسّع الاحتلال أمام أعين الجميع؟
كانت ليلة 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 من أصعب الليالي التي عشتها في حياتي. استيقظت مذعورةً بينما الهزّات الناجمة عن الانفجارات تهزّ الأرض من تحتي، وظننت لوهلة أن الحرب عادت وأن التهدئة انهارت تماماً.
كان المشهد مطابقاً لليلة انتهاء الهدنة الثانية في 18 مارس/آذار 2025 — نفس التفجيرات العنيفة التي انتزعتنا من النوم وزرعت الأسئلة في رؤوسنا: ماذا يحدث؟ هل عادت الحرب؟
خرجنا نستطلع الأمر وسألنا جارنا، مروان النمرة. قال لنا: “ليست حرباً جديدة… ساعات من النار، ثم ستعلن إسرائيل — كالعادة — عودة التهدئة.”
لم يُقصف حيّنا، الرمال، تلك الليلة، لكن الضربات التي طالت الزيتون (على بُعد كيلومترين) والشجاعية (على بُعد خمسة كيلومترات) كانت قريبة وقوية لدرجة أنها بدت وكأنها تنفجر خلف ظهري مباشرة. كانت الجدران تهتز بعنف مع كل ضربة.
وفي الوقت نفسه، كانت الغارات تضرب خان يونس في الجنوب بلا توقف. كان الصوت يمتد من الشمال إلى الجنوب، وكأن غزة كلّها تُقصف مرة واحدة — وكأن الاحتلال يريد تذكيرنا بأن “التهدئة” التي يتحدث عنها العالم ليست سوى غطاء رقيق فوق نارٍ لا تنطفئ.
مع الفجر، اتّضح حجم المأساة: 28 فلسطينياً قُتلوا في الزيتون والشجاعية وخان يونس — من بينهم 17 طفلاً وامرأة — وأُصيب أكثر من 77 آخرين في ضرباتٍ على مناطق مكتظة بالسكان، رغم ادعاء إسرائيل أنها تستهدف قادة المقاومة.
في 20 نوفمبر، انتشل المسعفون جثمان طفلة تبلغ عاماً ونصفاً من عائلة كشكو بعد أن قُصفت منزلهم في الزيتون. كما أُعلن عن وفاة الشاب سامح رجب بعد استهداف مبنى يأوي عائلات نازحة في الحي نفسه — ليلتحق بزوجته وأطفاله الذين قُتلوا خلال إبادة 2023.
لقد عانى ذلك الحي موجةً تلو أخرى من الموت والدمار. أتذكر معاناة صديقتي وزميلتي في “تروث آوت”، شهد علي، التي شُرّدت من هناك وفقدت أمّها ومنزلها وكل ما كانت تملكه.
وأكد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود باسل، مقتل خمسة مدنيين — بينهم امرأة وطفل — بعد استهداف مبنى وزارة الأوقاف قرب مفترق عصفورة في الزيتون. وأكد مجمّع ناصر الطبي سبع وفيات بعد ضربات إسرائيلية طالت مخيمات المواصي في خان يونس.
عند الظهر يوم 20 نوفمبر، ازداد صوت القصف قسوة. لم يكن قريباً، لكنه كان صاخباً إلى درجة جعلت قلبي يخفق بعنف. اتصلت بوالدي الذي كان في السوق مع عمي لأعرف ما يحدث، خاصة وأن اليوم كله كان ثقيلاً بشكل خانق. قال إن الناس في السوق يتحدثون عن ضربات عنيفة قرب “الخط الأصفر” — سلسلة علامات صفراء على الأرض تُحدّد الحدود بين مناطق غزة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية (“المنطقة الصفراء”) والمناطق التي ما تزال مدنية.
كانت الشائعات تتنقل بين المارة، لكن أحداً في غزة لم يكن يعلم بعد أن الجيش الإسرائيلي كان يغيّر فعلياً تلك الحدود لتوسيع المنطقة الصفراء — إلى أن دبّ الذعر فجأة في سوق الرمال بعدما بدأ الخوف ينتشر بين الناس.
إن محاولات الاحتلال المتكررة لتوسيع المنطقة الصفراء غالباً ما تؤثر مباشرة على الأحياء السكنية، فتجبر السكان على الفرار أو تمنعهم من الوصول إلى المناطق التي كانت لهم.
تصاعدت حالة القلق عندما بدأت العائلات بالفرار من الشجاعية بعد تقدّم الآليات الإسرائيلية واشتداد القصف المدفعي نحو الأجزاء الغربية من الحي شرق مدينة غزة. سمعنا قصة الحاج أبو محمد مشتّهى، الذي اضطر للفرار مع 20 فرداً من أسرته بعدما أصبح القصف لا يُحتمل. وعندما حاول العودة مساءً، صُدم بوجود كتل إسمنتية وضعتها قوات الاحتلال على بُعد أكثر من 500 متر غرب “الخط الأصفر” — الخط الذي رُسم في المرحلة الأولى من اتفاق التهدئة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في 10 أكتوبر. كانت توسعة جديدة لوجود الجيش في الحي المدمر، ومنعته كلياً من الوصول إلى منزله.
ولم يكن وحده. عشرات العائلات في الشجاعية ما تزال عاجزة عن العودة إلى منازلها — لا قبل التهدئة، ولا بعد رسم الخط الأصفر، ولا الآن بعد توسعته أكثر. أحد أصدقائنا من عائلة فروانة نُزح منذ الأيام الأولى للحرب، وحتى اليوم لم يتمكن لا من العودة ولا حتى من رؤية منزله المدمر.
ويبقى السؤال: ما الذي يسعى إليه الاحتلال من توسيع حدوده تحت غطاء “التهدئة”؟
ما يؤلمني أكثر هو أن العالم بأسره لا يبدو مكترثاً.
عاد والدي إلى المنزل مسرعاً بعدما شعر بأن الوضع يتدهور — خصوصاً بعد سماعه ما جرى لعائلة مشتّهى، وهي عائلة معروفة في غزة وفي الرمال خاصة. وفي طريقه، التقى رجلاً يدعى عماد ططّة، الذي قال له إن كل ما كان الناس يتهامسون به في السوق صحيح. قبل لحظات فقط، أكدت الأخبار أن إسرائيل كانت تقصف الشجاعية والزيتون بعنف بهدف توسيع الخط الأصفر.
واتّضحت الصورة أكثر عندما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي أن الجيش الإسرائيلي غيّر مواقع العلامات الصفراء، موسعاً المنطقة التي يسيطر عليها شرق مدينة غزة بمقدار 300 متر إضافي داخل أحياء الشجاعية والتفاح.
إن الاحتلال لا يتوقف — القصف، والتهجير، والإبادة الشاملة ما تزال مستمرة، تمحو عائلات كاملة من السجل المدني. وهذا ما حدث لعائلة أبو شويش، التي مُسحت فجر 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وكأنها مجرد أرقام تضاف إلى قائمة لا تنتهي من الشهداء. وأكثر ما يؤلم هو إصرار العالم على وصف هذا الوضع بأنه “تهدئة” بينما القصف والقتل والدمار لا تتوقف.
أي تهدئة هذه، والنار لا تنطفئ؟
اليوم، نواصل حياتنا رغم الخوف الذي يلازمنا وإمكانية عودة الحرب في أي لحظة. نرسل أخي الصغير زيد إلى المدرسة، وأختي فرح تستعد للتسجيل في الجامعة بعد إعلان قرب استئناف التعليم الوجاهي بدلاً من التعليم الإلكتروني.
نتمسك بالحياة بكل ما لدينا — حتى عندما تتخلى الحياة عنا.
رغم الحصار والندرة والتهديد الدائم، نتمسك بدروسنا وأحلامنا، ونواصل البناء، ونشق الطريق إلى الأمام، مصمّمين على انتزاع مستقبل من تحت الركام — فقط لأننا نرفض أن ننكسر.
- ترجمة الذكاء الإصطناعي