
بحسب المفكر الراحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، فإن الحضارة تنهض حين يتحول الخطاب إلى ممارسة، و الوعي إلى سلوك، و الفكرة إلى مشروع. و من هنا أودّ مناقشة الشعور بالعجز الذي تطوّر لدى شعوب الانحطاط حتى صار لصيقًا بالمسلمين. فقد أصبحت البنية الذهنية و الفكرية لدى المسلمين – بفعل الاحتلال، و الاستقلال الصوري، و طغيان الاستبداد السياسي، و الفساد السياسي و الاقتصادي – تميل إلى السهل، و إلى الكسل و التواكل. و ينتظر المسلم دائمًا من الآخر أن يمدّ له يد العون و ينقذه مما هو فيه، متجاهلًا أن طوق النجاة إن لم يصنعه بيده، و إن لم يبادر إلى إنقاذ نفسه بنفسه، فلن يكون لأحد مصلحة حقيقية في مساعدته أو نجاحه.
و قد رأينا كيف أن المصريين عند انتفاضة يناير سرعان ما تخلّوا عن الانتفاضة و تبعاتها، بحجّة أنهم لا يريدون التضحية باستقرار هشّ و رزق ضئيل في مقابل إصلاحات سياسية و اقتصادية جذرية و لزمن محدد. فكان ما كان، و عادت مصر بأكملها إلى الحكم الشمولي المستبد للعسكر، و لا سبيل لهم إلى الانعتاق إلا بتحمّل مسؤوليات التغيير، و تقبّل التضحيات كمبدأ راسخ لأي عملية تغيير و إصلاح جدي.
من دون ترابطٍ بين الممارسة و الوعي و السلوك و الفكرة و المشروع تستحيل عملية النهوض. فلا بدّ من وعي بالمسلك الذي تتخذه النخب و الشعوب لتطليق حالة الركود و التخلّف، و لن يتحقّق ذلك إلا بالعودة إلى الفاعلية الحضارية التي يمنحها الوعي بالبعد الديني للحياة. فنحن خُلقنا لنعبد الله عن بصيرة، و خُلقنا لنكون خلفاءه في الأرض، و الاستخلاف يتطلب مجموعة شروط إن لم ننجزها على أرض الواقع فليس بوسعنا الإنبعاث. و من هذه الشروط ضرورة استيعاب تكلفة التغيير ؛ فإن لم نستوعب ثمن التغيير فلن نكون بلا شكّ مستعدين لبذل الغالي و النفيس من أجل الهدف.
فنحن يوميًا نحتكّ بمواطنين لا يملكون من المواطنة إلا الاسم، لماذا؟ لأنهم يعيشون وفق منظور فيزيائي بحت. فلا نراهم يجسّدون معاني الوعي و لا الممارسة الفاعلة، و لا يعيشون لتحقيق مشروع، و أقصد مشروع النهضة. و تكفي نظرة واحدة إلى أحد شوارع المدن في عالمنا العربي الإسلامي لندرك أن سكّان هذا الشارع لم يعرف نور الوعي و المعرفة طريقًا إلى عقولهم. فكيف ننهض؟ و كيف نُعدّ شروط النهوض؟ هذا ما سنناقشه في مقالة قادمة إن شاء الله.