
مقالةُ البارحة عن فلسطين تدفعني إلى مزيد من الشرح و التحليل، و ها أنا ذا أفعل. مشكلةُ الأنظمة العربية أنها تتحدّث عن فلسطين و حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية و الاستقلال، و لا تصنع شيئًا في أرض الميدان. فمن غير المفهوم مطالبتها بانسحابٍ صهيوني من فلسطين 67، و جيوشُها قد انهزمت ثلاث مرّات في محاولة تحرير فلسطين. كيف ينسحب بنو صهيون من أرضٍ انتزعوها بقوّة إجرامية عدوانية ؟
ثمّ إنّ قراءةَ الدول المطبِّعة للواقع قراءةٌ فيها كثير من التسرّع، و اختزالٌ لمطالب فلسطينية سيادية في مصالح قُطرية ضيّقة. فقد طبّعوا انطلاقًا من اعتبار أن القوّة الأقوى في الأرّض صهيونية، و انتهى الأمر. فهل هو فعلاً منتهٍ ؟ أيّ ملاحظٍ من الخارج قد يظنّ ذلك، لكن لا، الأمر ليس كذلك. فملفّ فلسطين لم ينتهِ. لماذا ؟ لأنّ الانسحاب غير وارد عند بني صهيون، و وجودَ شعبٍ فلسطينيّ محتلّ دليلٌ قاطع على أن القضية لم تُطوَ.
و كان متاحًا لكلّ الدول العربية، المطبِّعة و غير المطبِّعة، اللجوءُ إلى بديلٍ عن “مبادرة السلام” المولودةِ ميتة، و ذلك بفرض حصارٍ شامل على بني صهيون، و عدم الاعتراف بكيانهم الغاصب، حصارٍ شديد يضغط على المنظومة الصهيونية العنصرية التي تعتمد على الجوار لتعيش. ألم ترد في تقارير الأمم المتحدة آليات “الضغط غير العسكري” على الأنظمة الاستعمارية و التمييزية ؟
فقد كانت لدينا خياراتٌ أخرى غير مبادرة السلام لننتزع من الصهاينة حريةَ فلسطين، لكننا لم نفعل. فضّلنا خيار التطبيع المهين بحثًا عن مصالح وهمية. فبنو صهيون قومٌ لا يُؤتمنون، و مصالحُهم العليا أولويتُهم، و لن ينظروا أبدًا بعين الرضا إلى مصالح العرب و المسلمين.
و لهذا، فإنّ قراءةَ الواقع كما هو تدفعنا للقول: إنّ ما ذكرناه البارحة في المقالة واقعٌ ظاهر، بمقتضى أن الصهاينة نزلوا بثقلهم على الأرض و ثبّتوا أنفسهم ظلمًا و بهتانًا. وإن لم ننطلق من هذه الحقيقة القاهرة في معالجة ملفّ فلسطين فلن نذهب بعيدًا.