
بحسب المفكّر الراحل مالك بن نبي رحمه الله: «ينبغي أن يُرَدّ المسلمُ تخلّفَه إلى مستوى الأفكار لا إلى مستوى الأشياء». فمراكمةُ منتجات الحضارة لن تحوِّلنا إلى متحضّرين ؛ فالجزائري يقود سيارة رباعية الدفع من نوع مرسيدس، ثم نراه يتوقّف في الطريق ليرمي كرتونًا و قاروراتٍ بلاستيكية في الشارع، من دون أدنى وعيٍ بيئي. فهل سيارته الفاخرة زادته وعيًا أو معرفة ؟ أبدًا. بل هي شيء يدلّ على جهله ؛ إذ لم يصنعها و لم تزده علمًا.
و أيُّ زائرٍ لأيّ مدينة في الغرب سيقف على مستوى الذكاء الذي استُعمل في بناء تلك المدينة، أمّا إذا زار إحدى مدننا فسيلاحظ مدى افتقادنا للذكاء في البناء. فتعاطي الإنسان مع محيطه يقوم على أفكار، لا على مادةٍ تتحرّك من تلقاء نفسها.
فالمجتمع الذي يستورد الأفكار من الخارج غير قادرٍ على ضمان ديمومته و لا ازدهاره، أمّا من يستغلّ أفكاره على مستوى الفرد و الجماعة فينجح في الارتقاء بدورته التاريخية و الحضارية. فإن لم نوفر هامش حرية لتوليد الأفكار و الإبداع، فلن يُقدَّر لنا نهضة و لا استقرار. و الأمم التي تعتمد وصفات التحضّر الأجنبية، كيف لها أن تضمن أجوبةً لمشكلاتها الناتجة عن تلك الوصفات؟ و من يعتقد أنّ نسخ تجارب الآخرين و لصقها بخصائص بيئته سيضمن له التقدّم و التطوّر فهو واهم.
فتبنّي العلمانية في إدارة شؤون الناس يعني أننا سنعيش المشكلات نفسها التي تنشأ عن فصل الدين عن الدولة. ففكرة الاستغناء عن القانون الإلهي، و عن الفكرة الدينية، فكرةٌ أخذتنا إلى الخلف و قتلت فينا المبادرة الشخصية و الجماعية لإنقاذ أنفسنا بأنفسنا، بعيدًا عن تقليدٍ أعمى.