من سجل الذاكرة : بيتزا و أخي و خبز أندونيسيا في مزرعة غير مكتملة البناء
بقلم عفاف عنيبة

من سجلّ الذاكرة: منذ سنين عديدة أعددتُ بيتزا بالفلفل و الطماطم و الجبنة و البيض، و نسيتُ أن أضع الملح في العجينة و الحشو. و جاء أخي يومها ليتناول الغداء عندنا، فأكلها دون أن يقول شيئًا، و لم ينبّهني إطلاقًا إلى أن البيتزا غير مملّحة.
و لما انتبهتُ إلى الأمر بعد أن تناولتُ قطعةً منها، استغربتُ موقفه و سألته:
عجبًا ! ألم تلاحظ أنني نسيتُ أن أضع الملح في البيتزا ؟
فابتسم وردّ قائلاً:
عفاف، لقد اجتهدتِ لتحضري بيتزا رائعة، فلم أشأ أن ألومك على نسيانك للملح، و قد أضفتُه بطريقتي في القطعة الكبيرة التي أخذتُها.
فضحكتُ وقلتُ له شاكرة : ستكون زوجًا رائعًا يا أخي الحبوب.
و منذ أكثر من عشرين سنة، زرتُ مزرعة بُنيت حديثًا، و كانت تنقصها بعض المرافق، فإذا بمضيفتي تطلب مني إعداد خبز أندونيسيا، وهو خبزٌ سوري معروف به أهلُ الحدود السورية–اللبنانية، قد علّمتنا إياه سيدةٌ سورية كانت جارتنا في بيتنا الثاني بجاكرتا، و لهذا السبب سمّيناه “خبز أندونيسيا”، و هو جدّ لذيذ.
في البداية احترتُ: كيف سأعدّ الخبز في مكانٍ مطبخه غير مكتمل البناء، و لا وجود فيه للماء إلا بتشغيل المضخة ؟ لكنني تشجّعت، و شرعتُ في جمع مستلزمات الخَبز، و عجنته جيدًا و تركته يختمر. و بعد نحو أربعين دقيقة سخّنتُ مقلاةً مسطّحة، و بسطتُ كلّ كرية من العجين، و طبختُها واحدةً تلو الأخرى حتى تكوّمت الرقاقات في كومة كبيرة، فسرّ الجميع بأكلها.
و علّقت مضيفتي قائلةً:
«يا إلهي! كم هو لذيذ خبز أندونيسيا! أحسنتِ إعداده يا عفاف، فكأننا هناك في جزر البلاد الآسيوية.»
فصحّحتُ لها قائلةً:
«بل قولي: نحن الآن على الحدود اللبنانية–السورية؛ فهذا الخبز من تلك المنطقة الشامية، و كنوز الشام لا تُعدّ و لا تُحصى.»
يا مسلمي هذا الزمان، لو أحصيتُم كنوز عالمنا العربي الإسلامي بكلّ ما فيه من تراث و ثقافات و نكهات و معارف، لما كفاكم الزمن المتبقي لكوكبنا قبل طيّ السجل…