قراءات لكتبنظرات مشرقةيهمكم

من يحكم بالعدل يخسر القرب… لكنه يكسب التاريخ.

بقلم عفاف عنيبة

منذ يومين كنت أقرأ مختصر كتاب لزوجٍ سابقٍ لأميرة، بعنوان: «كل ما عشته: انتصارات، إخفاقات، و دروس». روى فيه هذا الرجل كيف تزوّج، و هو لاعب كرة يد شهير، أميرةً و أنجب منها أربعة أبناء، و كيف تخلى عن مهنته كلاعب محترف ليتولى رئاسة شركة.

تمرّ السنين، و في يومٍ ما تنقلب حياته رأسًا على عقب. إذ فتح قضاء بلاده تحقيقًا في الملفات المالية للشركة التي كان يشغل فيها منصبًا رفيعًا، ليُكتشف لاحقًا أنه، بالاشتراك مع مسؤول آخر، ارتكب تجاوزات خطيرة، من اختلاسات و تحويل أموال عامة لصالحهما.

تابع القضاء التحقيق حتى شمل زوجته الأميرة، باعتبارها كانت مستشارة في الشركة، غير أن القضاء لم يثبت تورطها الفعلي إلى جانب زوجها. فصدر حكم بالسجن خمس سنوات على الزوج، بينما وجدت الأميرة نفسها في وضع لا تُحسد عليه.

و في خضم هذه العاصفة، استدعاها شقيقها الذي اعتلى عرش البلاد و أصبح ملكًا. فلبّت دعوته، و أجابت عن سؤاله بجدية كاملة:

– هل كنتِ على علم بسلوكيات زوجك غير القانونية؟
– نعم… و لا.

– اشرحي. طالبها شقيقها الملك فليب بصوت حازم.
– كنتُ على علم، لكنني لم أشجّعه على ذلك.

فقرّر شقيقها تجريدها من جميع ألقابها الملكية، و خفض نفقتها إلى حدّها الأدنى. و هكذا أُجبرت الأميرة على البحث عن عمل، و مغادرة بلادها بسبب الضجّة الإعلامية التي رافقت إدانة زوجها.

غادرت إلى سويسرا، و كان عليها تربية أبنائها الأربعة بعيدًا عن عائلتها و زوجها، بينما كان هو قد استأنف الحكم، و حصل على ترخيص بالخروج بضعة أيام في الأسبوع للقيام بعمل خيري لصالح المسنين.

لا أدري لماذا شعرتُ بأن الأميرة كابدت معاناتها في صمت، بسبب ابتعادها عن عائلتها، و لعلّ موقف شقيقها الملك قد حزّ في قلبها. فهي التي رفضت الإدلاء بأي تصريح للإعلام، و كافحت من أجل إبعاد أبنائها عن الفضيحة المدوية، و حاولت أن تُبقي صورة زوجها نظيفة في أعينهم، قائلة:
«الإنسان ضعيف، و لا يحتاج أبوكم إلى مضاعفة عقابه بمحاكمتكم له.»

تمرّ السنين، و في العام الذي أُطلق فيه سراح زوج الأميرة، نقلت صحافة بلاده خبر لقائه امرأة أجنبية خلال فسحة خارج السجن مرخّص له بها. صُدمت زوجته الأميرة ؛ كان من المفترض أن يُخبرها بتلك الفسحة لتقابله، فإذا به يُخفي عنها الأمر، و يلتقي امرأة غريبة، و يذهب معها في نزهة على شاطئ البحر.

عندها قررت الأميرة الانفصال، و أخبرت زوجها، فلم يُمانع، و طلّقها. عاد إلى الحرية ليلتقي بأبنائه الأربعة مجددًا، و قد كبروا، يدرسون و يعملون بين ثلاث دول. و لم يتأخر في تأسيس شركة رقمية، و كتب هذا الكتاب الذي لخّص فيه تجربته المريرة، قائلاً:
«خسرتُ كل شيء، و عليّ أن أبدأ من جديد، و أنا في عمر متقدم.»

الأميرة كريستينا سكتت عن سوء تصرف زوجها بأموال الشركة، و كان سكوتها مكلفًا. عاشت سنوات طويلة منبوذة، و كان وضعها بالغ القسوة على امرأة في موقعها. خسرت العلاقة الزوجية، و العلاقة العائلية، و لقبها الملكي، و المال الذي كان من حقها كأميرة. ربّت أربعة أبناء وحدها في غربة سويسرا، و عانت من وحدةٍ قاسية.

وحدةُ أميرةٍ عاملها شقيقها الملك بما يمليه عليه ضميره الحي، و أظنّ أن مثل هذه الاستقامة في الحكم يصعب العثور عليها في طول و عرض عالمنا العربي والإسلامي.

 

الخلاصة التي اريد إيصالها لكم :

هذا نصّ عن الضمير حين يُمتحن :
من يصمت يدفع الثمن،
و من يحكم بالعدل يخسر القرب… لكنه يكسب التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى