
ما سكت عنه الرواة و علماء المذاهب تفصيلٌ مهمٌّ جدًا في قصة آدم و حواء عليهما السلام. فعند خلق الله لسيدنا آدم، و قد كان يسكن الجنة، كانت وحدته سببًا في خلق حواء عليها السلام، ليجد إلى جانبه مخلوقة جميلة تؤنسه، و تضفي على وجوده في الجنة جمالًا فوق جمال.
لننتقل إلى بريطانيا سنة 1850. فقد كان الشمال يشهد نهضة صناعية رافقتها مشكلات حادة في العمالة و التصنيع، حيث نشأت طبقة اجتماعية فقيرة عاشت في مساكن غير صحية، و عملت في ظروف قاسية. و قد أحسنت الكاتبة إليزابيث غاسكيل، في روايتها «الشمال و الجنوب»، تصوير الظروف الاقتصادية لبدايات الرأسمالية الصناعية في بلدٍ جزيريٍّ له تاريخ طويل. و لمَن لا يعرف تاريخ إنجلترا، فإن هذه المرحلة شكّلت تحوّلًا عميقًا؛ إذ لم يكن المجتمع البريطاني قبلها يعرف تفشي الجرائم بهذا الشكل، نظرًا لانتشار الاستقامة الاجتماعية و ندرة مظاهر السرقة و الاختلاس، إلى أن أطلّ عصر الرأسمالية الصناعية على شريحة واسعة متواضعة التعليم و المستوى العلمي.
و تدور الرواية حول صراع محتدم بين جون تورنتون، مالك مصنع، و بين عمّاله، و كذلك بينه و بين مارغريت، ابنة قسيس جاءت من الريف البريطاني الهادئ، حيث لا تبدو الفوارق الطبقية صارخة. فإذا بها تجد نفسها في مدينة صناعية قاسية، و تلتقي رجلًا من كبار الصناعيين كان يزور أباها القسيس، فيستفزها بعلمه و ثقافته المتغطرسة، و بطريقته المتعالية و القاسية في معاملة عمّاله. فلم تتقبّل سلوكه، و اصطدمت معه في مواقف عديدة.
و يتجلّى إبداع إليزابيث غاسكيل في تصوير علاقة إنسانية معقّدة بين رجل من الشمال الصناعي و شابة متديّنة من الجنوب الريفي، حيث كان الصدام بينهما يدور حول تصوّر كلٍّ منهما لما يجب أن تكون عليه حقوق و واجبات الطبقة الكادحة. فقد كانت مارغريت، ابنة القسيس، تطالب بظروف عمل أفضل و رواتب منصفة لعمّال رجال و نساء يعانون الفقر و المرض، ويحلمون بمستقبل أفضل لأبنائهم. بينما كان جون، رجل الأعمال الصناعي، يفكّر أساسًا في تطوير مصنعه و رفع وتيرة الإنتاج، و كان يردّد عليها دائمًا: «حين تتحسّن أوضاعي المادية سأفكّر في تحسين معيشة هؤلاء العمّال. أنتِ تضعين العربة أمام الحصان، و أنا أدرى بتقدير الأوضاع. أرفض تدخّلك، و لم ينصّبك أحد متحدثة باسم العمّال».
كانت تردّ عليه بقوة الحجة، و ترفض منطق الوصاية، و تنظر إلى الحسابات المادية بوصفها مناقضة للدين الذي يضع، في المقام الأول، سعادة الإنسان و كرامته. و كانت تقول له: «الربّ خلق الإنسان و كرّمه، و أنت تعامل هذا المخلوق المكرّم بمنطق السيد. انزع من رأسك فكرة أن عمّالك عبيدك؛ فهم بشر من لحم و دم، لهم مشاعر. ألا ترأف بأبنائهم، بنسائهم، بالبؤس الذي يعيشونه منذ عقود بلا أفق واعد و لا وعود منجزة؟».
و تأجّج الصراع بينهما، و في يومٍ ما، حرصًا على صحة ابنته و نفسيتها المتضرّرة من هذا النزاع، قرر والدها إبعادها عن المدينة و إعادتها إلى الريف البريطاني. و جاءت لحظة إخبار مارغريت جون برحيلها، فشعر فجأة بأن السماء أطبقت على أنفاسه، و قال لأمه تلك الليلة الحزينة: «أمي، لا أريد رحيل مارغريت، إنني لا شيء بدونها». فردّت عليه والدته: «كانت بيننا سنوات، و لم تفكّر يومًا في طلب يدها من أبيها، و الآن بعد أن خسرتها لا ينفع الندم و لا الحسرة يا بني».
غادرت مارغريت، و بكى البسطاء رحيلها، و بكوا حبّها و عطفها عليهم، و بكوا امرأة صاحبة مبادئ صلبة لا تهتز و لا تنحني. امرأة نجحت في إيقاظ ضمير رجل صعب المراس. بكوا الشابة المستقيمة التي عاشت بينهم، و تضامنت معهم بالفعل لا بالقول، فشاركتهم خبزهم و لباسهم. و هكذا هو الإنسان: إمّا مبدأ… و إمّا لا شيء.
و هناك مشهد بالغ الدلالة أحسنت الكاتبة تصويره، مأخوذ من الواقع الاجتماعي: عند زيارة جون لأبيها، لم تجلس مارغريت معهما، و اكتفت بتحضير الشاي و الحلويات و تقديمها لهما. و عند مغادرته بيت القسيس، التقاها جون في الرواق، فمدّ يده ليصافحها مودّعًا، فرفضت مصافحته، و اختفت خلف الباب.
إلهي يا رب… أين هنّ نساء بهذه القوة، و هذا الإباء، و هذا الشموخ؟