
إذا ما رجعنا إلى موقف صامويل هنتنغتون من الديمقراطية، يمكن أن نستحضر هذه الفقرة:
«شدّد على أن التحول الديمقراطي ليس تطوّرًا ثابتًا أو خطّيًا، بل يحدث في موجات و بتأثير عوامل داخلية و خارجية، و قد تتلوه موجات عكسية عندما تتراجع الديمقراطية أو تتعرّض للانكفاء».
كما يرى هنتنغتون “أن التحول الديمقراطي يتطلب ظروفًا مؤسسية وسوسيولوجية معقّدة، و لا يقتصر على مجرد الإرادة في الانتقال إلى صناديق الاقتراع. و تشمل هذه الظروف: التوازنات السياسية، و وجود نخب إصلاحية، و ضعف أنظمة التسلّط، و غيرها من المتغيرات التي تُنتج بيئة مناسبة للانتقال.”
انطلاقًا من هذا التصور، يُطرح السؤال حول واقع دول العالم العربي الإسلامي التي تشكّلت حدودها و مؤسساتها في الأصل وفق خرائط رسمها الاحتلال الغربي. فانسحاب الغرب العسكري من أراضيها لم يكن كافيًا لمنح هذه الدول مضمون السيادة الفعلية أو الشروط الداخلية لبناء نظام سياسي متماسك. و رغم ذلك، جاءت الدعوات الأمريكية و الغربية المتكررة إلى “نشر الديمقراطية” و الترويج لها بوصفها النظام السياسي الأنسب عالميًا.
غير أن هذا النظام نفسه يشهد اليوم تراجعًا واضحًا على مستويات متعددة :
من هيمنة المال على القرار السياسي، إلى تحكّم اللوبيات الاقتصادية في توجيه السياسات العامة، إلى تحوّل الديمقراطيات من استبداد الحاكم الفرد إلى استبداد الأقليات الثرية و النافذة، حيث تُفرض مصالح فئة ضيقة على حساب أغلبية تائهة بين متطلبات العيش و ضغوط النضال السياسي.
لقد تجاهل الغرب، في خطابه التبشيري بالديمقراطية، خصوصيات الدول التي لم تتوفر فيها الشروط التاريخية و الاجتماعية و المؤسسية للانتقال الديمقراطي. فـوصفة الديمقراطية لا تنطبق على جميع الدول بالطريقة نفسها، و لا يمكن استنساخها خارج سياقها دون كلفة باهظة.
و من هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل الشعوب فعلًا في حاجة إلى ديمقراطية مأزومة بتناقضاتها، و عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة للأزمات الاقتصادية و الاجتماعية المتفاقمة؟
إن كل نظام وضعي ناتج عن اجتهاد العقل البشري ليس مطلق الصحة و لا معصومًا من الخطأ. و قد آن الأوان لإعادة النظر في النموذج الديمقراطي السائد، و السعي الجاد إلى إصلاحات سياسية تنسجم مع قدرات المجتمعات و مستوى وعي نخبها و شعوبها، و تنتهج سياسات تعترف بضعف الإنسان و عدم كماله، و تستأنس بالمبادئ و الأحكام التي أرساها الدين، بما يضمن حدًا أدنى من التوافق، و التكافل، و النمو المشترك.