قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

إلي حين…بحسب مالك بن نبي رحمه الله

بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي رحمه الله، المشكلة ليست في الشكل السياسي، بل في الإنسان الذي يديره و القيم التي تحكمه. و هذه الرؤية صائبة إلى أبعد الحدود ؛ لأن الحضارة الإسلامية، سواء في مراحل قوتها أو في عصور الانحطاط، عرفت دائمًا عيوب البشر في إدارة شؤون الرعية، رغم مرجعيتها الدينية. غير أنها، في أوج قوتها، كانت تمتلك قابلية للإصلاح و التصويب.

فحتى في زمن الخلافة الراشدة، كان الخلفاء ــ و هم من كبار الصحابة المبشَّرين بالجنة ــ ينظرون إلى الحكم بوصفه مسؤولية بشرية قابلة للخطأ، لا مقامًا معصومًا. لذلك طالبوا من حولهم بالنصح و التقويم و تصحيح الأخطاء. و هذا يؤكد أن حكم البشر يظل حكمًا بشريًا تشوبه النقائص و العيوب، و هو ما يجعل توصيف مالك بن نبي توصيفًا سليمًا و دقيقًا.

فالمشكلة الحقيقية ليست في لون النظام السياسي أو شكله، بل في الأشخاص الذين يتولون ممارسة السلطة و تسيير شؤون الرعية. فإذا لم تتوفر فيهم قيم الاستقامة الأخلاقية، و الكفاءة العلمية و المعرفية، فكيف يتأتّى لهم الحكم الرشيد ؟

و يؤكد هذا المعنى حديث رسول الله ﷺ للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، حين طلب الولاية، فقال له النبي ﷺ:

«يا أبا ذر، إنك ضعيف، و إنها أمانة، و إنها يوم القيامة خزي و ندامة، إلا من أخذها بحقها و أدّى الذي عليه فيها»
(رواه مسلم).

فها هو رسول الله ﷺ يقرّ بضعف أحد الصحابة الأجلّاء في باب الولاية، لا قدحًا في دينه أو مكانته، بل إدراكًا لطبيعة المسؤولية السياسية. فكيف الحال ببشرٍ تسلّموا مقاليد الحكم غصبًا، في الجزائر غداة الاستقلال الشكلي، و في معظم الدول العربية، فاحتلوا المناصب، و أفسدوا، و حرصوا على الخلود في كراسي السلطة، حتى لم يُنزَعوا عنها إلا محمولين إلى قبورهم ؟

لقد نبّهنا مالك بن نبي إلى أن السلطة تكليف لا تشريف، و أن الحاكم إذا افتقد قيم العدل الإلهي، فإن دولته محكوم عليها بالزوال مهما طال بها الزمن. فأين هم اليوم: الأمويون، و العباسيون، و العثمانيون، و الأيوبيون و المماليك؟ و أين رؤساء العصر الحديث من أمثالصدام، و القذافي، و مبارك، و غيرهم؟
إن الدائرة تدور، و الذي يحكم إغلاقها هو الله تعالى، مصداقًا لقوله عزّ و جل:
﴿وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
و من اغترّ من البشر، و ظنّ أن الاستبداد و الفساد يضمنان له الاستمرارية، فإلى حين…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى