خواطرنظرات مشرقةيهمكم

من سجل الذاكرة : رائحة السفر في غرف الفنادق

بقلم عفاف عنيبة

قضيتُ جزءًا من حياتي في السفر، و كان أول سفر لي و عمري أربعين يوما. و لا تزال ذاكرتي تختزن روائح غرف الفنادق من أثينا إلى طهران، و من جاكرتا إلى لندن، و من واشنطن إلى نيويورك. و كلما نزلتُ في فندق، كنتُ أمضي وقتًا جالسةً إلى جانب نافذة الغرفة، أراقب حركة الحياة في المدينة التي توقفتُ فيها، محاولةً اكتشافها و أنا أرتشف فنجان قهوة، لتتضح أفكاري المتعبة من طول السفر و مشاقه.

أجلس أنظر و أتأمل، و في ذهني فضول كبير، و حمدٌ لله على وصولي سالمةً غانمة، و رغبةٌ تكبر في اكتشاف المكان و البلاد. و حين أنزل إلى الشارع و أخرج من الفندق، تتراجع رائحة النظافة المصقولة التي تملأ غرف الفنادق، لأصطدم بواقع المدينة الحقيقي.

أمضي في طريقي، أمشي و أمشي، و لا يهمني إن كنتُ أحسن الحديث بلغة أهل البلاد؛ كل ما يهمني أن أستكشف عالمًا جديدًا، من آسيا إلى أمريكا. و كان يرافقني في كل سفر ذلك الشعور بالأمان، حتى سؤالي الساذج لشرطي حدود أمريكي حين قرأ الدعوة الرسمية التي تلقيتها من دولته، فقلت له:
«ترى، سيدي، في حال وقوع مشكلة، بمن أستنجد؟»
فضحك الرجل، و صادق بختمه قائلاً:
«لا أحد، لأنك في أمان، فلا تخشي شيئًا… أنتِ في أمريكا، سيدتي.»

كدتُ أجيبه:
«بالضبط، أنا في أمريكا: أمريكا المجازر بالسلاح الحي، و أمريكا سجن أبو غريب، و أمريكا الداعمة للاحتلال الصهيوني.»
لكنني أحجمت، و مضت إقامتي بسلام في بلاد تمثال حرية الاستعباد.

إن المرور عبر غرف الفنادق يعلّمنا مدى قِصر الوقت، و كيف أن الإقامة – مهما طالت – تظل عابرة في خزانة الذكريات. فلا شيء يعوّض الإقامة الطويلة التي تتيح معرفة أعمق بأي بلد. و أذكر بالمناسبة كيف ركبتُ ذات مرة طائرةً متجهة إلى بوينس آيرس عن طريق الخطأ، قبل أن يستفيق طاقم الطائرة قبل فوات الأوان. نزلتُ من الطائرة، و كانت كلمات الاعتذار تتردد على مسامعي من مضيفة الخطوط الجوية. لم أقل شيئًا، و حين صعدتُ إلى الطائرة الصحيحة  و ربطت حزام الأمان، قلتُ في نفسي:
«الأرجنتين التي تحبينها ليست قدرك.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى