قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

بحسب مالك بن نبي : لا نهضة بلا فكرة، و لا فكرة بلا إنسان فاعل.

بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي، الحضارة هي مراكمة أفعال ناتجة عن أفكار حيّة، متحرّكة و فاعلة، ذات أثر ملموس في واقع حياة الفرد و الجماعة. و من هذا المنطلق، عندما اطّلعتُ على خبر إطلاق الجيل الخامس للهاتف النقال في حلب السورية، شعرتُ بالشفقة على قومٍ لم يدركوا بعد أن التعامل مع تقنية هاتف متقدّمة في ظل غياب بنية تحتية متماسكة في أغلب المدن السورية، بما فيها حلب، هو علامة انحطاط لا تحضّر.

هذه الواقعة تعطينا مثالًا واضحًا على أن التعاطي المُجزّأ مع عوامل الحضارة لا يرفع البلدان إلى مصاف الدول المتطورة، بل على العكس، يكرّس حالة التأزّم الحضاري لدى البلد و الأمة ككل. فنحن نتعامل مع أدوات الحضارة من منظور الاستهلاك الساذج، و كأن بناء أبراج هنا و هناك أو اعتماد تقنيات عالية يعني تحقيق تفوّق ذكي و علمي، و هو وهمٌ آخر يُضاف إلى سلسلة الأوهام التي نعيش عليها منذ الاستقلال الصوري.

لا يُقاس استقلال الدول بالجيل الرابع أو الخامس للهاتف النقال، بل بقدرتها على استيعاب مفاهيم الحضارة و إنتاج عواملها. نحن نكرر الأخطاء و لا نتعلم منها ؛ فالتقدّم الحقيقي للدول يُقاس بمدى إنتاجها للفاعلية الحضارية، لا باستيراد مظاهرها.

كما أن وصف التطور و التقدّم الحضاري لا يعني نسخ النموذج الأمريكي أو الغربي ؛ فهذه المجتمعات نفسها تعيش مأزقًا حضاريًا واضحًا، يتجلّى في مساهمتها الكبرى في التدهور المناخي، ثم عجزها عن إيجاد حلول عادلة له، و اكتفائها بفرض ضرائب و أعباء على الدول الفقيرة التي لم تكن يومًا طرفًا رئيسيًا في ظاهرة الاحتباس الحراري.

التطوّر ليس إعادة توطين “سيليكون فالي” في إحدى مناطق البلاد، و إلا وقعنا في تقليدٍ أعمى و غير ممنهج للآخر. نحن في حاجة ماسّة إلى تفعيل علاقتنا الحضارية بالفكرة و العمل، حتى نتفاعل مع ذاتنا الذكية و المبدعة، قبل أي شيء آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى