قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

بحسب مالك بن نبي، لا بد من التمييز بين امتلاك الأشياء و امتلاك شروط الفاعلية

بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي، لا بد من التمييز بين امتلاك الأشياء و امتلاك شروط الفاعلية ؛ و قد انتقد، رحمه الله، تكديس الأشياء بدل استيعاب الأفكار المنتِجة لها.
مع بدايات الثورة الصناعية في الغرب، كان الفارق بيننا و بينهم واضحًا: ففي الوقت الذي كانوا فيه يخرجون من أواخر العصر الوسيط و يتجهون نحو النهضة، عبر بناء منظومة تفكير و إنتاج انطلقت من الورشة الصغيرة إلى مصانع الثورة الصناعية، معتمدين على تحفيز توليد الفكرة و تشجيعها و تكريم أصحابها، كنا نحن نعيش تراجعًا معرفيًا و حضاريًا.

و يرجع سبب هذا التراجع إلى الاطمئنان إلى قوة عسكرية زائفة، لم تقم على عدل داخلي و لا على تطور علمي قادر على منافسة الغرب في الغلبة الحضارية. فكانت النتيجة تفوّق الغرب، و أفول نجمنا، ثم بداية مرحلة الاحتلال.

و كان هدف الغرب من الاحتلال التوسعَ بحثًا عن مصادر الطاقة و المعادن الثمينة لتغذية نهضته الصناعية. و حتى قراءتنا للاستعمار الغربي لم تكن قراءة موضوعية ؛ نعم، توسّع الغرب على حسابنا، و كانت بيننا و بينه علاقة صدام حضاري و ديني، لكن كانت له أيضًا دوافع مادية و استراتيجية لا ترتبط بالضرورة بعداءٍ عقائدي مباشر، و هو ما غيّبناه في تحليلنا.

فالتطور المادي يفرض تحديات على أي دولة و أي حضارة، و هذا ما لم نُدركه. و بعد الاستقلال، وقعنا في حالة انبهار دفعتنا إلى تكديس مواد الاستهلاك و الأدوات الجاهزة، بدل العمل على العودة إلى سياقنا التاريخي و الحضاري، لننهض وفق وتيرتنا و نسقنا و خصوصيتنا. و كانت النهاية، مرة أخرى، في غير صالحنا.

نحن ما نزال نحسن تكديس الأشياء، و نتظاهر بتصحيح رؤيتنا للفاعلية الحضارية، غير أن هذا “التصحيح” لم يمسّ لبّ الإشكالية. فما دمنا نطلب أساليب التطور من الغرب، فكيف يمكن أن تتاح لنا فرصة الاستقلال الحقيقي و التحرر السيادي، و التميّز الحضاري عن الآخر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى