
منظر الطبيعة المبتلّة بماء الغيث منعش إلى أبعد الحدود ؛ فالغيث رمز للحياة، و للمحاصيل الزراعية، و للتجديد. و يا للأسف، في صبيحة هذا الجمعة، طغت أخبار معاناة غزة المستمرة.
البارحة جرى حديث بيني و بين الأستاذ درويش، و هو من غزة و يقيم فيها، و قد أمدّنا مشكورًا بمقالات باللغة الإنجليزية عن الأوضاع في غزة. عبّر كلامه عن مرارة خذلان العرب و المسلمين لأهل غزة، و عن استمرار القصف و القتل دون توقف. و هو و عائلته موجودون في المنطقة التي يريدها ترامب و العدو الصهيوني منطقةً خارجة عن القانون، فلا إعادة بناء فيها، و لا استثمار في الإنسان، و لا أي شيء يضمن للغزيّين حدًّا أدنى من الحياة الكريمة.
كان سؤاله مشبعًا باللوم و الحيرة: «إلى متى و نحن على هذا الحال؟»
فكان ردّي موجعًا: «سيستمر بكم الحال على ما هو عليه ما لم توحّدوا الصفوف داخليًا، و ما لم تختاروا خيار المقاومة. فمسار السلام، كما يدّعون، لم يُفضِ إلى حرية و لا استقلال و لا قيام دولة فلسطينية. عند توحيد الصفوف و الاتفاق على مخرج لقضيتكم، ستُتاح لكم فرصة النزول بثقلكم على المستوى الدولي، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم، و لن يجد الاحتلال الصهيوني مهربًا يتنصّل به من مسؤوليته. ما ينقصكم هو وحدة الصفّ و تصور سليم للمقاومة».
وافقني الأستاذ درويش، و عبّر عن مخاوفه من خطة ترامب التي قسّمت غزة إلى منطقة مأهولة معترف بها و تحت سيطرة بني صهيون، و منطقة مغضوب عليها. قال: «نحن نعيش الرعب كلما سمعنا الرصاص و تقدّم الدبابات الإسرائيلية في الشوارع المدمّرة، و الصغار هم أوّل من يتألّم و لا يفهمون بعد ما يجري».
سألته: «من يدير منطقتكم؟»
فأجاب: «لا ندري*، نحن نحاول البقاء أحياء، هذا كل هدفنا الآن».
و هكذا فهمت أنّ الجهة التي لم يسيطر عليها العدو بعد ليست أيضًا تحت سيطرة حماس، و لا وجود لإدارة فلسطينية واضحة هناك. هذا، باختصار، محتوى حديث البارحة.
*وصف الأستاذ درويش لانعدام الإدارة وعدم وضوح الجهة المتحكمة في بعض المناطق يتقاطع مع ما وثّقته تقارير أممية حديثة، خاصة تقارير الأمم المتحدة (UNOCHA) والأونروا، التي أكدت انهيار منظومات الحكم المدني والخدمات الأساسية، ووجود فراغ إداري واسع نتيجة القصف المتواصل والنزوح الجماعي. كما أن الحديث عن مناطق «غير قابلة للحياة أو لإعادة الإعمار» ينسجم مع تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة تقارير مجلس حقوق الإنسان التي وصفت غزة بأنها تتجه نحو حالة «عدم قابلية العيش» (Unlivable Territory).