عن جين أوستن “«الرجل جزيرة ؛ إن حاصرته المرأة خسرته حتمًا».
بقلم عفاف عنيبة

منذ سنوات قرأتُ الأعمال الكاملة للروائية البريطانية جين أوستن، و علِق في ذهني قول يُنسب إليها عن الرجل:
«الرجل جزيرة ؛ إن حاصرته المرأة خسرته حتمًا».
وهمُ المعرفة داخل العلاقات الزوجية دفع الكثير من الزوجات إلى مواقف و أفعال لا يمكن وصفها إلا بالمتسرّعة و المتهوّرة، والعكس صحيح أيضًا. فما يعرفه أحد الطرفين عن الآخر يبقى جزئيًا و مبتورًا إن لم يُقِرّ بهذه الحقيقة : ليس مطلوبًا من الزوج أو الزوجة أن يكشف عن نفسه كشفًا كاملًا، لأن ذلك مستحيل؛ فالعبد لا يعرف عن نفسه ما يعرفه عنه خالق العباد.
و كما ورد في دراسات معهد جون غوتمان، فإن الاختلاف بين الرجل و المرأة في التعبير والتواصل هو في الغالب نتيجة للتنشئة و الثقافة و البيئة و الظروف الخارجية. فالإيطالي، مثلًا، يتمتع بقدرة عالية على التعبير عن مشاعره، بينما يفتقر الجزائري إلى ذلك، لا بسبب اختلاف الدين، و إنما لاختلاف البيئة و العوامل النفسية و الوراثية وأنماط التربية المتوارثة جيلًا بعد جيل.
فالجزائري يتحفّظ في التعبير بالكلمات و الحركة عن مشاعره، إذ تعلّم أن ذروة الرجولة هي الظهور بمظهر القسوة، خاصة مع نساء بيته. قد يلين قليلًا مع أمه، لكنه غالبًا لا يفعل ذلك مع الزوجة أو الأخت أو المرأة بصفة عامة.
الفشل الراهن في كثير من العلاقات الزوجية مردّه إخفاق الطرفين في بناء علاقة معرفة متبادلة واعية ؛ فكل واحد منهما ينتظر من الآخر مبادرات لا تأتي، لأسباب ذُكرت أعلاه. و الفكرة التي استخلصتها من تأملي في العديد من الزيجات على الطريقة الجزائرية هي أن أحدًا لم يُهَيِّئ نفسه لتقبّل الآخر بعيوبه و حسناته، بصمته و حديثه، بأخطائه و أمراضه، بجماله و قبحه.
كأن الزواج الجزائري تحوّل إلى طقس اجتماعي واجب الأداء، يخوضه الطرفان بشعور عميق بالرتابة ؛ فلا شيء يشدّ أحدهما إلى الآخر سوى حاجة غريزية. و هكذا يتحوّل الزواج إلى تظاهر مناسباتي، فارغ من محتواه الأصيل. و أنا هنا أشير تحديدًا إلى الزواج العصري الذي يفتقد الكثير من مقومات الاستمرار، و لا يُقدَّر له النجاح لغياب عناصر الديمومة الحقيقية.