
في لحظة ما رأيت صورة الجسر. تخيّلت نفسي واقفة عليه، و كل ما حولي مبلّل بمطر الليلة السابقة: حمرة الخريف المتأخّر في الأشجار، قِدَم الجسر، و ماء النهر الجاري من تحته… لحظة سريالية في وضع متخيَّل.
فكّرت في إخواننا هناك في غزة. أنا بإمكاني الهروب من زخّات المطر و الاحتماء تحت الجسر، أمّا هم فلا ملجأ لهم: لا نهر، و لا جسر، و لا بيوت عامرة، و لا أي شيء يحفظ لهم حدًّا أدنى من رمق الحياة.
هل نتذكّر ما نحن فيه من نعمة السكن و الأمان ؟ و هل نُقدّر ما نحن فيه، أم أننا من المتشكّكين الدائمين الذين يرون كل شيء زائفًا و غير ملبٍّ لطموحنا في أمان حقيقي و ازدهار حقيقي، لا وهمي؟ لستُ ممن يراهنون على الأوهام، لكن ما نحن فيه ليس كلّه شرًّا، و هناك لبنات صالحة يمكن البناء عليها.
ما ينقصنا هو القبطان الذي يُحسن الإمساك بدفّة القيادة، و يقود السفينة و ركّابها بين الأمواج العاتية و الصخور. كما يفتقد هذا القبطان إلى نخبة تتمتّع بمناعة قيمية تعينه في مهامه. فهل هي مسألة وقت قبل ظهور القبطان و النخبة المطلوبة؟ و هل نحن نعيش اليوم بين مرحلتين: مرحلة الانحطاط، و مرحلة التململ المؤذِن بالذهاب نحو بداية وعي حضاري؟
بينما من هم في غزة لا يزال أمامهم طريق طويل قبل بلوغ محطة النضج الحضاري التي تتيح لهم النهوض من تحت الرماد.