النهضة تُبنى بأدوات: وعي، إيمان فاعل، ذكاء عملي، و إرادة أخلاقية مسؤولة.
بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي رحمه الله: «إننا نكثر من الكلام في السياسة لأننا لا نملك ما هو أهمّ منها: الفعالية الحضارية»، من كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.
في زمن الانحطاط، و بعد تجارب ثورات انفعالية، خرج إلى النور جيل لا يكره شيئًا مثل الحديث في السياسة. و أذكر ملاحظة لطالبة في العلوم السياسية، قالت منذ بضع سنوات: «كمواطنة واعية، أريد سماع حلول ممن يشتغلون بالسياسة، و قد مللت ثرثرتهم».
جيل اليوم و الغد يتمتّع بحاسّة نقد حادّة. ماذا سيفعل الشباب أو الكهول بأطنان من الكلام عن السياسة و هم يعيشون واقعًا مأزومًا ينذر بمخارج لا تُحمد عقباها ؟ فالمجتمعات العربية و الإسلامية اليوم تبحث عن حلول للمأزق السياسي الذي طال أمده. لقد أصبحت السياسة تُلغّم أي محاولة للخروج من عنق الزجاجة، و هم واعون بذلك ؛ و لهذا يفضّلون استبدال الثرثرة السياسية برزمة إجراءات و إصلاحات تتيح لهم فرصة البناء الحضاري، عبر تفعيل مجموعة أدوات تبدأ بالوعي، و تمرّ بطاقة الإيمان، و تصل إلى الذكاء و الإرادة المسؤولة الناضجة.
و لن يحدث ذلك ما دام السياسيون يدورون في حلقة التفلسف داخل دائرة الركود. لذلك ينبغي أن نقرأ جيدًا ظاهرة انصراف الشعوب عن السياسة في زماننا الحاضر ؛ فقد استُهلِك الحديث السياسي حتى النخاع، و اختار الناس—أمام صعوبة تحدّي التغيير—أن يلتفّوا حول ذواتهم و يعملوا للخلاص الفردي، ما دام الخلاص الجماعي بعيد المنال.