
في زمنٍ تتقدّم فيه المسلمة لتخطب الرجل، و في زمنٍ تعرض فيه المسلمة نفسها على ذكور الأمة بحثًا عن وهم، يصبح من المهم التعرّض لتصوّر الإسلام الذي أكّد أن الفطرة السليمة تقضي بأن تكون المرأة هي المرغوب فيها لا العكس، و أن يتعيّن على الرجل أن يبذل كل ما في وسعه ليظفر بصاحبة الخُلُق ؛ تربت يداه.
هناك رواية تتضمّن مشاهد خالدة عن العلاقة الصحية بين الرجل و المرأة “كبرياء و تحامل”، و هي من تأليف جين أوستن، امرأة عاشت في زمن العفّة و الحشمة وألق القيم. هكذا صوّرت جين أوستن بقلمها الساحر كيف أنّ السيّد دارسي، و منذ لقائه الأوّل بالشابة إليزابيث، تلقّى درسًا لم ينسه أبدًا، و قرّر على إثره أن يتابع سلوك هذه الفتاة من الطبقة المتوسطة البريطانية، و هو الرجل الثري الموعود بمستقبل واعد.
ها هو المشهد كما قرأته:
في الحفل، أُتيحت الفرصة للسيّد دارسي للحديث مع إليزابيث، فخاطبها بنبرة متعالية، منتقدًا أمّها التي تبحث عن أزواج ميسّرين لبناتها. فأجابته إليزابيث بموضوعية مدهشة:
«إنه انشغالُ أمٍّ تريد لبناتها حياة هانئة مع أزواجهن، لا تقصمها قلّة ذات اليد و مشكلات الفقر. ثم لماذا تحكم عليّ، سيدي، بناءً على موقف أمّي ؟ و هل يُعدّ عيبًا أن تحبّ الأمّ لابنتها الخير، خاصّة إذا ربّت ابنتها على العفاف و القناعة؟ لقد كنتُ أظنّ، بالنظر إلى طبقتك و ثَرائك، أنّك مزوّد بعقلٍ ذكي، فرجاءً تجنّب الأحكام المسبقة».
ثم ودّعته و استدارت و انصرفت، فتابعها بنظراته مشدوهًا. لم يكن يتصوّر أبدًا ردّة فعل إليزابيث المتحدّية له و لمقامه. و منذ تلك اللحظة، أخذ يراقب سلوكها.
و في يومٍ ما، زارت أختُها الكبرى العائلةَ التي كان ينزل عندها ضيفًا، فمرضت و لازمت ذلك البيت. فجاءت إليزابيث لتمريض أختها، و هناك، في الصباح، و عند ساعة تناول الفطور، ظهرت لصاحبة البيت و ضيفهم و حيّتهما بعفوية تامّة. فقام السيّد دارسي من مقعده و حيّاها أحسن تحيّة، متوهّمًا أنّها ستجلس معهم لتشرب قهوة الصباح، لكنها لم تفعل، و اعتذرت عن ذلك مبرّرة موقفها بأنها ستذهب لتتفقد احتياجات أختها.
طوال الرواية كان حضور إليزابيث في حضرة السيّد دارسي خاطفًا، كأنها تهرب منه. ظنّ ذلك في لحظة ما، لكنه مع الوقت أدرك، و بعد عودته إلى لندن، أنّ إليزابيث امرأة ناضجة، واعية، صاحبة كرامة و ذكاء، و لا مناص له من الارتباط بها. و هكذا كان.
عجبًا… نقرأ قصة من القرن الثامن عشر لنتذكّر العفّة و الاحتشام، و في زمننا الحاضر كلّ ما يقابلنا يثير فينا الغثيان.